وقبل سنوات غير بعيدة، كان في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من العامة، يمني الجنسية لا يقرأ، فإذا دخل المسجد النبوي ورأى رجلًا خاليًا من شغل، أعطاه المصحف في يده، وقال له: اقرأ علي من كلام الله، فيمضي الرجل يقرأ، وهذا العبد الصالح الأمي يستمع، قضى أكثر عمره على هذا النحو، فلما أراد الله سبحانه وتعالى أن يقبض روحه، وربما كان ذلك العبد صادقًا مع مولاه - والحكم على الظواهر - دخل الحرم ذات يوم وقدم المصحف لرجل جالس في الحرم، فلما أخذ ذلك القارئ يقرأ، وهذا العبد الصالح يستمع إليه، مرَّا على آية سجدة، فسجد الاثنان، ثم رفع الأول منهما، وأما ذلك العبد الصالح فقبض الله روحه وهو ساجد في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
إنه لا يحلف على الله إلا هالك، والصدق مع الله سبحانه وتعالى أعظم ما يؤتى به العبد الخاتمة الحسنة، وحسن الوفادة والإقبال على رب العالمين سبحانه وتعالى من ينشد الخاتمة الحسنة ينبغي أن يكون سليم الصدر للمؤمنين، ليس في قلبه بغض ولا حقد ولا حسد ولا شحناء لأحد من المؤمنين، فإن كثرة الغل والحسد والبغضاء والشحناء لعباد الله، أعظم ما يورث به سوء الخاتمة - والعياذ بالله -.
أورد ابن خلكان رحمه الله في وفيات الأعيان، في ترجمة يوسف بن أيوب الحمداني، أنه كان عبدًا صالحًا محبوبًا من الناس، فبينما هو ذات يوم في درسه، إذ قام رجل من الصالحين ظاهرًا، يقال له ابن السقاء، وكان يحفظ القرآن وعنده شيء من الفقه، فقام ذلك الرجل يسأله مسائل يريد بها أن يسيء الأمر في حلقته ويشغب عليه وجموع الناس حوله، فلما أكثر عليه قال يوسف بن أيوب لابن السقاء: اجلس فإني والله، لأشم من كلامك رائحة الكفر، وأظنك ستموت على غير ملة الإسلام.