الصفحة 8 من 23

الأمة الصالحة التي نعنيها هنا هي الأمة القائمة بأمر الله سبحانه وتعالى المقيمة لحدوده، العابدة له. التي قد جعلت الدنيا مزرعة ومعبرة إلى الآخرة، والتي يتراحم أفرادها ويتعاطفون، وتتآلف قلوبهم وتجتمع جهودهم على محبة الله ورضوانه، ويكون دين الله ظاهرًا بها، الأمة التي تكون فيها وبها كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى.

والمثال الذي هو أصدق مثال لهذه الأمة هو عهد النبوة والخلافة الراشدة (صدر الإسلام) ففي هذا العهد ظهرت هذه الأمة على أكمل صورة وأفضل مثال. ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى هذه الأمة في ذلك العصر في آيات كثيرة منها قوله تعالى {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيمًا} (الفتح:29) . فمن صفات هذه الأمة أنهم متراحمون فيما بينهم أشداء على أعدائهم، قائمون بأمر ربهم ركوعا وسجودا. وجوههم تشرق بالنور من أثر السجود لخالقهم، وهم غيظ لأعدائهم، وبهجة ونور لأوليائهم. وقد وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا بجوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فقال: [مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر] وناهيك بما كان في هذه الأمة من شوق إلى الآخرة وزهد في الدنيا، وتسابق وتنافس نحو البر والخير، فأي أمة هذه التي يحرم الرجل نفسه من طعامه وطعام أولاده ليطعم ضيفه، والذي ينفق الفرد فيها ماله كله في سبيل الله لا يدخر شيئا لولده. والذي يبايع الصحابة فيه رسول الله على الموت في سبيل الله وألا يفروا ولو كان العدو أضعافهم، والتي يتقاسم فيها المهاجرون والأنصار أموالهم، والتي يتآخى فيه الغرباء وأهل الوطن فيكونون في أخوتهم في العقيدة أفضل من أخوة الدم والنسب؟!.

ولا يعني وجود هذه الأمة أن تكون خالية من الجريمة ومن النفاق فمثل هذه الأمة الصالحة على طهارتها لم تكن خالية من المنافقين فقد كان هناك عدد كبير منهم، وكذلك لم يخل مجتمعها من الجريمة فقد كان هناك من زنى فرجم، ومن سرق فقطع، ومن غدر فجوزي بجنس عمله قطعا ليديه ورجليه وسملا لعينيه وكل هؤلاء من الذين استظلوا بمظلة الإسلام.

وأشهروا وأعلنوا إسلامهم، ولكن كان الشر هذا مستخفيا لا مستعلنا، واليد العليا لله ولرسوله، وللقائمين بأمره.

(2) أدلة وجوب إقامة هذه الأمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت