يحتاجه الناس في حياتهم كعقود البيع والإجارة والمزارعة والزواج والطلاق والبيعة، وغير ذلك فالعقود الشرعية كلها قائمة على تحقيق هذا المطلب الشرعي (العدل) ولذلك جعل الله العدل غاية الرسالات فقال سبحانه وتعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد:25) .
ومن هذا السياق نعلم أن العدل في ذاته هدف وغاية ومقصد من مقاصد الشريعة، وهذا العدل أيضا وسيلة إلى غاية أخرى وهي تربية الإنسان الصالح الذي يؤمر بالعدل ويبتلى بتطبيقه لتصلح نفسه وتزكو أخلاقه. وهكذا يكون العدل غاية من جهة ووسيلة من جهة أخرى. غاية في نفسه فهو مطلب شرعي ووسيلة لتحقيق غاية أخرى وهو تكوين وإنشاء المسلم الصالح.
ج) فتح المجال للإحسان، واستغلال الطاقة:
مما وضعته الشريعة الحكيمة للوصول إلى الكمال الإنساني وتكوين الإنسان الصالح أنها فتحت الباب على مصراعيه للإحسان، وفتحت الميادين لإشغال الطاقة والموهبة ليصل الإنسان إلى نهاية الكمال المقدر في مجال العبادات وضعت حدودًا دنيا للطاعة وهو الواجب والفرض وهذا مما يدخل في طوق كل مكلف عادي إلا أصحاب الأعذار والضرورات، ولم تكتف بذلك بل فتحت المجال لإشغال النهم، والرغبة في الاستزادة من الخير، فلم تضع الشريعة حدًا للأذكار (ذكر الله) قال تعالى {يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا .. } (الأحزاب:41،42) . وقال تعالى {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران:190) . وقال تعالى في الحديث القدسي: [أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه] (رواه البخاري في التوحيد) .
وقال صلى الله عليه وسلم: [من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد] (رواه مسلم) .
وحددت حدودًا عليا لقراءة القرآن في ثلاثة أيام ولقيام ثلثي الليل ولصيام يوم وإفطار يوم وهذا غاية ما يستطيعه البشر، ومن زاد فوق ذلك كان هذا على حساب واجبات أخرى من حق النفس والزوج وأدى ذلك إلى ضعف البدن المؤدي إلى الفرار من الزحف والعجز عن حقوق الناس، وهذا إفراط في العبادة يؤدي إلى تفريط في جانب آخر. والخلاصة أن الشريعة فتحت مجالات التعبد لله على مصراعيها إشباعًا لعطش النفس وشوقها إلى بارئها وخالقها واستزادة من الصالحات، ووضعت حدودًا قصوى لا لكبت الطاقة، وتحجيم الخير وإنما للنهي عن الغلو والإفراط. كما أن الشريعة