الصفحة 17 من 23

فقد جعل الله سبحانه وتعالى العدوان على النفس الإنسانية بالقتل جريمة كبرى بل لا أكبر منه بعد الشرك كما قال سبحانه وتعالى تعقيبا على قتل أحد ولدي آدم لأخيه: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} (المائدة:32) . وقال أيضا سبحانه: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (النساء:93) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لزوال السموات والأرض أهون عند الله من إراقة دم عبد مؤمن] (صحيح الجامع:4953) .

وجعل حرمة العدوان على النفس واحدة فالمرأة كالرجل والطفل كالشيخ والغني كالفقير، وجعل سبحانه وتعالى القصاص عقوبة للعدوان على النفس بالقتل ردعا لهذه الجريمة، وجعل وأد البنات وهو ما كانت تزاوله الجاهلية الأولى من أكبر الكبائر، قال تعالى: {وإذا المؤودة سئلت بأي ذنب قتلت} (التكوير:8،9) . ولا شك أن العدوان على الجنين في بطن أمه بعد أن يتخلق وتنفخ فيه الروح كذلك لأنه بذلك يصبح نفسا إنسانية والعدوان عليه في البطن لا يختلف عن العدوان عليه بعد الولادة.

ولم يبح الله سبحانه وتعالى قتل النفس البشرية بعد أن تسلم إلا في جرائم محدودة، وأما الكافر فإنه لم يبح قتله وقتاله إلا إذا كان محاربا معتديا فقط، وجعل سبحانه وتعالى أولاد المشركين ونساءهم ومن لم يحارب منهم معصوم الدم.

وهذه التشريعات جميعا للحفاظ على النفس البشرية التي خلقها الله مكرمة وخلقها لمهمة عظيمة قد أسلفنا بيانها فيما مضى.

ثالثًا: الحفاظ على النسل:

وأما المقوم الثالث من المقومات للمجتمع الصالح والأمة الصالحة فهو النسل؛ ولا نعني بكلمة النسل هنا مجرد الولادة والإنسان لأن للإنسان ميزة خاصة عن سائر الحيوانات في النسل وهو صلات القربى التي تسمى في الشريعة بالأرحام فالأبوة والبنوة والأخوة والأمومة والعمومة والخئولة .. هذه الصلات التي تقوم بين أبناء الأسرة الصغيرة والعائلة الكبيرة؛ ثم القبيلة ثم الشعب؛ هي التي يتوقف عليها وجود أمة صالحة: يترابط أفرادها. وكذلك وجود فرد صالح تنمو فيه المشاعر الإنسانية كالرحمة والفداء، والعطف، والشعور بالمسئولية، نحو الآخرين. ويظهر هذا جليا فيما لو تصورنا نسلا إنسانيا لا يقوم على أساس الزواج الشرعي، وإنما عن طريق الإنجاب والشيوعية الجنسية، حيث ينشأ الطفل لا يعرف أبًا بعينه ولا أمًا ولا أخًا ولا عمًا ولا خالًا. إن مثل هذا النسل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت