رأيتَ الذي لا كُلُّهُ أنتَ قادرٌ ... عليهِ ولا عنْ بعضهِ أنتَ صابرُ
وقد قيل: إن حبس اللحظات أيسرُ من دوام الحسرات.
وفي غض البصر عدة منافع:
أحدها: أنه امتثال لأمر الله، الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده؛ وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى، وما سعد من سعد في الدنيا و الآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي في الدنيا والآخرة إلا بتضييع أوامره.
الثانية: أنه يمنع من وصول أثر السهم المسموم الذي لعل فيه هلاكه إلى قلبه.
الثالثة: أنه يورث القلب أنسا بالله وجمعيَّة على الله؛ فإن إطلاق البصر يفرق القلب، ويشتته، ويبعده عن الله، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر؛ فإنه يوقع الوحشة بين العبد وبين ربه.
الرابعة: أنه يقوي القلب ويفرحه كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه.
الخامسة: أنه يكسب القلب نورًا كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان فما شئت من بدع، وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة؛ فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب فإذا فُقِد ذلك النور بقى صاحبه كالأعمى الذي يجوس [1] في حنادس الظلمات. [2]
السادسة: أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل والصادق والكاذب.
وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: (من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال لم تخطئ له فراسة) [3] .
وكان [ابن] شجاع هذا؛ لا تخطيء له فراسة. [4]
(1) الجَوْس: طلب الشيء باستقصاء، والتردد والطواف خلال البيوت والدور في الغارة.
(2) الحِنْدس: الظلمة، والليل المظلم.
(3) انظر: حلية الأولياء (10/ 237) .
(4) انظر: حلية الأولياء (10/ 237) .