وأما الطريق المانع من حصول هذا الداء [فهي أربعة أمور] :
أحدهما غض البصر: فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته؛ دامت حسراته.
فاللحظات: هي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج؛ فمن أطلق نظره أورده موارد الهلاك.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يا على لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنما لك الأولى، وليست لك الأخرى" [1] .
وقال:"إياكم والجلوس على الطريق". قالوا: يا رسول الله! مجالسنا، مالنا بد منها!! قال:"فإن كنتم لا بد فاعلين؛ فأعطوا الطريق حقه"قالوا: وما حقه؟ قال:"غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام" [2] .
والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان؛ فإن النظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل، ولا بد، ما لم يمنع منه مانع.
وفى هذا قيل: الصبر على غضّ البصر أيسرُ من الصبر على ألم ما بعده.
قال الشاعر:
كلُّ الحوادثِ مبداها من النظرِ ... ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستصغَر الشَّررِ
كمْ نظرةٍ بلَغَت منْ قلْبِ صاحبِها ... كمبلغِ السهْم بينَ القوسِ والوتر
والعبدُ ما دام ذا طَرْفٍ يُقَلِّبُه ... في أعُين الغيْدِ مَوقوفٌ على الخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَه ... لا مَرْحبًا بِسُرورٍ عادَ بالضَّررِ
ومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرا عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عنه، ولا عن بعضه، ولا قدرة لك عليه ولا عن بعضه. قال الشاعر:
وكُنْتَ متى أرسلْتَ طَرْفَكَ رائِدًا ... لقلْبكَ يومًا أتعبتْكَ المناظِرُ
(1) أخرجه: أبو داود (2148) والترمذي (2776) وأحمد (5/ 353) وقد حسنه الألباني في جلباب المرأة المسلمة ص 77.
(2) أخرجه: البخاري (2465) ومسلم (2121) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.