وهذا المعنى يرجع عند التأمل إلى معنى الطلب، إذ التمني أحد أنواع الطلب، ومما يقوي هذا المعنى ما قاله الراغب الأصفهاني في تفسير الآية السابقة: (ولكم فيها ما تدعون) : أي: ما تطلبون. ( ) وكذلك ما قاله ابن سيده في المحكم، حيث ذكر أن (ادعى) بمعنى (تمنى) ، ثم قال:"وفي التنزيل (ولهم ما يدعون) معناه: ما يتمنون، وهو راجع إلى معنى الدعاء، أي: ما يدعيه أهل الجنة" ( ) .
ومثله قول الزجاج بعد تفسيره بالتمني:"وهو مأخوذ من الدعاء، المعنى: كل ما يدعو أهل الجنة يأتيهم" ( ) ، وقولهم: ادع علي ما شئت. أي: اطلب مني ما شئت. وقولهم: فلان في خير ما ادعى. أي: في خير ما طلب.
2-وأما الزعم والادعاء حقًا كان أو باطلًا فقد ذكره بعض أهل العلم ( ) ، ومن أمثلته التي ذكروها قوله تعالى: (( وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ) ) [الملك:27] أي: هذا العذاب الذي زعمتم أنه باطل، وأنه لا يقع.
ويحتمل رجوعه إلى معنى الطلب أيضًا، فالمعنى على ذلك: هذا الذي كنتم تَدعُون اللهَ تعالى بتعجيله. يعني قولهم: (( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ ) ) [الأنفال:32] .
فهذا ظاهر على قراءة تدعون بالتخفيف، وأما على قراءة التشديد فيحتمل أن يكون تدعون تفتعلون من الدعاء أو من الدعوى ( ) ، وذكر البغوي القراءتين وأن معناهما واحد، مثل تذكرون وتذكرون، وقال:"تفتعلون من الدعاء أي: أن تدعوه وتتمنوه أنه يجعله لكم" ( ) .
3-وأما التداعي والتساقط فقد ذكرته طائفة من أهل اللغة ( ) ، ومن أمثلته حديث: {يُوشِكُ أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها} ( ) .
وقولهم:"تداعت الحيطان"أي: تساقطت.
وهذا المعنى راجع إلى النداء، فمعنى (أن تداعى عليكم الأمم) أي: تجتمع ويدعو بعضهم بعضًا، كما في النهاية ( ) .