ثم بيّن رحمه الله كيف أن المعاني المتعددة ترجع إلى ذلك، فبيّن أن قولهم"دعا الله فلانًا بما يكره"أي: أنزله به، يرجع إلى ذلك لأنه إذا فعل ذلك به أماله إليه، وأن قولهم"تداعت الحيطان"إذا سقط واحد وآخر بعده، صار كأن الأول دعا الثاني وأماله إلى نفسه، ودواعي الدهر: صروفه، كأنها تميل الحوادث ( ) .
وتلك المعاني المتعددة المتحدة في الأصل نذكرها واحدة تلو الأخرى، مع ذكر أمثلة وشواهد من استعمالها في الكتاب أو السنة، أو كلام أهل اللغة المعتبرين الذين يستشهد بكلامهم.
ثم نذكر المعاني التي ذكرها بعض العلماء، وهي ترجع في الحقيقة إلى المعاني السابقة، مستشهدين في ذلك كله بكلام علماء اللغة المعتبرين، وهذا أوان الشرع في ذلك، وبالله التوفيق وعليه التكلان:
1-فأول تلك المعاني: الطلب والسؤال:
قال ابن سيده ( ) رحمه الله:"طلب الطالب للفعل من غيره" ( ) .
وقال الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي (ت:543هـ) :"الدعاء في اللغة والحقيقة هو: الطلب" ( ) .
وقال محمد بن علي الشوكاني (ت:1250هـ) :"معنى الدعاء حقيقة وشرعًا: هو الطلب" ( ) .
وذكر هذا المعنى للدعاء كثير من العلماء من غير هؤلاء ( ) الثلاثة.
ثم إن هذا المعنى هو أكثر استعمالًا من المعاني الأخرى في الكتاب والسنة واللغة، ولسان الصحابة، ومن بعدهم من العلماء ( ) .
وفعل"دَعَا"إذا استعمل في هذا المعنى"يتعدى إلى النفع المطلوب بالباء يقال: دعوت الله بالفلاح" ( ) ويتعدى إلى المدعو المطلوب منه بنفسه، كما أنه يتعدى في الخير باللام، وفي الشر بعلى، يقال:"دعوت له بخير، وعليه بشر" ( ) .
ومما ورد من استعماله في هذا المعنى:
قوله تعالى: (( وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ) ) [الأعراف:134] .
وقوله عز من قائل: (( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) ) [البقرة:61] .