ولا للمعطي تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جورًا وحرامًا، فيجب رده بعد الموت (5) ·
الدليل الثاني: أن سعد بن عبادة رضي الله عنه قسم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام، فمات بها، ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما إلى قيس بن سعد فقالا: إن سعدًا قسم ماله، ولم يدر ما يكون وإنا نرى أن ترد هذه القسمة، فقال قيس: لم أكن لأغير شيئًا صنعه سعد، ولكن نصيبي له (6) ·
وجه الاستدلال: أن أبا بكر، وعمر رضي الله عنهما ذهبا إلى رد هذه القسمة؛ لأن أحد الأبناء أصبح ليس له نصيب في التركة، فكذلك في الهبة ·
المناقشة والترجيح: في النظر فيما استدل به لكل قول أحد ما يأتي:
أولًا: أن أصحاب القول الأول قد استدلوا بالأثر المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو واضح الدلالة على ما ذهبوا إليه من ثبوت الهبة بالموت، ولم ينقل عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه عارض هذا الأثر على حسب علمي ·
ثانيًا: أن أصحاب القول الأول قد عللوا ذلك بأنها هبة لولده فتلزم بالموت، كما لو انفرد، وهو تعليل له وجاهته ·
ثالثًا: أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بحديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما وهو حديث صريح الدلالة على تحريم التفضيل وأن الوالد إذا لم يرجع فهو آثم، ولكن ليس فيه دلالة على رد الهبة بعد الموت·
رابعًا: أن أصحاب القول الثاني قد استدلوا بما ذهب إليه أبو بكر، وعمر رضي الله عنهما برد قسمة المواريث التي أصبح فيها أحد الأبناء ليس له نصيب من التركة، وقاسوا عليه الهبة التي فيها تفضيل بجامع أن كلا منهما مخالف لقسمة الله تعالى، ولقسمة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهو قياس مع الفارق؛ وذلك أن هذا الأثر وارد في الفرائض حيث إن سعدًا رضي الله عنه استعجل وقسم ماله بين ورثته في حياته، والمواريث تكون بعد الموت بخلاف الهبة فإنها في الحياة، والمأمور بها الوالد فبموته تلزم الهبة والإثم على والده حيث خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ·
خامسًا: سئل شيخ الإسلام الإمام محمد بن عبد الوهاب عمن أعطى بعض أولاده وحازها ومات ولم يعط الآخرين؟ فأجاب: (الوالد إذا أعطى بعض بنيه عطية وحازها ولم يعط الآخرين لم يرجعوا عليه) (1) ·