ولا شك أنه من أجل نهضة الأمة، وتحقيقًا للأهداف السابقة فلا بد من مشاعية التعليم وإلزامية بعضه للذكور والإناث، والأغنياء والفقراء. والبعض الذي يجب أن يكون إلزاميًا هو القدر من العلم الذي لا غنى للمسلم عنه في دينه ودنياه، ليكون مسلمًا صالحًا وهو ما يعرف بفروض العلم .. وليس هنا مجال تفصيله وإنما القصد هو أنه يجب تحديد (كمية العلم) التي يجب تعليمها لكل فرد في الأمة، ثم فتح المجال للاستزادة لكل أحد بحسب طاقته وقدرته واستعداده، وإزالة كل عقبة يمكن أن تعترض هذا السبيل. وبالرغم من أن التعليم وخاصة الجامعي مكلف إلا أنه أعظم استثمار للمال في الدنيا والآخرة وهو يعطي أعظم مردود لأن الإنسان مكرم لذاته، ولا يكرم إلا بالعلم النافع .. وكذلك لأن الإنسان هو أداة الاستثمار الأولي ووسيلة التنمية العظمى إذا أحسن تعليمه وتربيته ..
ومن أجل ذلك فإنه لا يجوز البخل بتاتًا، ولا تحديد الإنفاق الحكومي على التعليم. بل يجب أن تكون وزارات التربية هي الوزارات التي تنفق بلا حساب والتي لا يجوز أن يكون لها حد إلا حد الكفاية والاستعداد والاستطاعة للدولة ..
وإنها لجريمة كبرى أن نحرم أبناء الأمة من التعليم الجامعي وما فوق الجامعي بحجة تقليل النفقات .. ثم نذهب لتبذير المال ونهدره في التفاهات والحقارات والشئون الثانوية الهامشية.
3 -التخصص والتكامل:
الأمر الثالث الذي يجب أن تسير عليه سياستنا التعليمية هي التخصص والتكامل، والتخصص لازم لأنه لا يمكن الإجادة في أي فرع من فروع العلم والمعرفة إلا بالتخصص فيه فالمعرفة البشرية قد تراكمت بشأن هائل جدًا، ومتابعة هذه المعرفة في عدد من التخصصات متعذر بل مستحيل.
وأما التكامل فلأن دراسة بعض التخصصات المتناثرة التي لا تشكل وحدة لأمر ما لا معنى لها، بل هو عمل عبثي يهدر الطاقات والجهود .. فما لم يكن التعلم متكاملًا يؤدي كل تخصص فيه إلى نتيجة واحدة مشتركة فإن علمنا وتعليمنا سيبقى بلا معنى ولا ثمرة.
وإن من ثمرات التخصص العظيمة أنه سيجعلنا نستفيد من كل فرد في الأمة مهما كان تحصيله ومستواه. وذلك أنه بالتخصص المبكر يمكن أن ينصرف كل فرد إلى ما يحسنه وما يستطيع أن يهضمه ويستوعبه، ولا يكون هذا الحشد الهائل من العلوم المختلفة والمعارف المتفرقة حائلًا دون مواصلة كثير من طلابنا لدراساتهم، وإحسانهم لتخصص يناسبهم. فقد رأيت كثيرًا من الطلاب تركوا التعليم لأنهم لم يستوعبوا مادة واحدة من المواد الدراسية وبذلك أصابهم الاحباط وتوقفوا في أوائل السلم التعليمي وخرجوا للحياة العامة بلا شيء تقريبًا .. وكان يمكن لهم أن يحسنوا شيئًا