فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 62

والأمر الذي يلفت الانتباه إنما هو تقدم هذه الفتوحات بهذا الشكل السريع الواسع والذي لم يكن ليتم بهذه الصورة لو كان وضع المسلمين بغير هذا الوضع الذي كانوا هم فيه، إذ لم يكونوا ليفكروا بالدنيا إلا بمقدار ما تبلغهم الآخرة، فكانوا يقبلون على القتال بإقدام قوي، إقدام الذين يطلبون الموت ليحصلوا عليه فينالوا الشهادة، أو ينتزعون منه الحياة فيعيشوا أعزاء، وقد تخلصوا من طواغيت الأرض، ودفنوا ظلمهم واستعبادهم للبشر، هذا الإقدام كانت تنقطع له قلوب الأبطال من الأعداء، فيولون الأدبار، ويتشتت شملهم، فكم من رجل دخل صفوف أعدائه وهم ألوف وظل يقاتل حتى يخرج من الطرف الآخر، ولا يفتر لسانه عن ذكر الله، لا يبالي أصيب أم بقي حيًا بل ربما كانت إصابته هي المطلوبة لديه، وما هذا الإقدام إلا للحصول على الشهادة، كما لم تكن عندهم تلك الحساسية وتلك التعقيدات المعروفة اليوم، فأيهم تولى الأمر أطاعه الآخرون وقاتلوا تحت لوائه، دون أن تكون رتب يتولى أعلاها القيادة وإن لم تكن له المؤهلات لها، لقد كان يتولى الرجل وقد يكون أصغر القوم سنًا، أو أدناهم أسرة أو أحدثهم جهادًا، وربما كان اليوم قائدًا فإذا به في الغد جندي تحت إمرة أحد جنوده بالأمس لا يرى في ذلك غضاضة ولا إهانة ما دام لا يقاتل إلا الله، وسواء عنده أكان جنديًا أم قائدًا، بل وربما كانت الجندية أحب إلى نفسه من القيادة التي لها مسئولياتها، وكان بعضهم يحب الجندية أكثر لأنه لا يريد ذكرًا ولا شهرة ولا معرفة ولا أن يرضي حاكمًا، ولا ينال منحة ولا أعطية ولا أوسمة فهو لا يقاتل من أجل هذا كله، وإنما يقاتل ليصل إلى الجنة دون أي شيء آخر، ولتكون كلمة الله هي العليا، فكم من قائد طلب الالتحاق بالجندية وترك مسئوليات القيادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت