فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 62

وكم من أمير رجا أن يبعد عن مركز الإمارة ويسير إلى ساحات القتال، حيث هناك ميدان عمله؟ وكم من مسلم وجد عندما حضرته الوفاة أنه قد ضاعت عليه فرص الشهادة في سبيل الله؟ كما أن الخليفة لم يكن ليتبع الطرق التي تسمى اليوم بالرسميات وكذا بقية الأفراد، فلا يخاطب الجند عن طريق القيادات، ولا تحدث الحساسيات التي تقع اليوم بل لا يفكر فيها أحد، فقد يرسل الكتب إلى الجند مباشرة ويوليهم الإمارة فيطيع الجندي الأمير الجديد، وينفذ القائد الجندي الجديد، دون أي اعتراض أو شعور بامتعاض.

وكان الخليفة يسأل عن كل جندي، ويعرف حركات كل واحد، وجهاد كل فرد، وإقدام كل مسلم، فهو وإن كان يعيش على بعد آلاف الأميال من ساحات القتال إلا أنه كأنه على مقربة منها يقود المعركة بنفسه ويراها كأنه يشرف عليها من عل أو يتنقل بين أفراد الكتيبة.

وقيمة كل مسلم عنده لا تقدر بثمن، ولا يمكن أن توصف فهو الأخ في الحياة والساعد الأيمن في الجهاد والابن في السلم والرفيق في الآخرة، إضافة إلى هذا كله فهو المسئول عنه يحاسب عليه، وبهذه المسئولية وحسب القيام بها ينال الجنة وهي أسمى الأماني وغاية كل مسلم، بهذا السلوك وبهذه الطريقة تمت الفتوحات، ودانت فارس للإسلام، وانحنت رءوس العالم أمام الحق من قبل به، وأمام القوة من أبى.

دخل الفرس في الإسلام جميعًا ولكن الإسلام لم يدخل قلوبهم جميعًا، دخل أكثرهم مؤمنين في حين دخل أقلهم اتقاء يتحين الفرص ليؤدي دوره في تحطيم الدولة الإسلامية الناشئة العظيمة، التي ضمت أراضيهم إلى أراضيها وقد أخذتهم العزة بالإثم وهالهم زوال الطاغوت وانتهاء عبادة النار، وعلى الرغم أن هؤلاء كانوا قلة إلا أن دورهم كان كبيرًا؛ لأنهم من أصحاب الحركة ويزينون للناس أعمالهم ويدخلون عليهم بشعارات خاصة يستطيعون أن يجذبوا بعضهم نحوها وبخاصة أنهم يحملون اسم الإسلام، وقد ضلوا في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت