غير أن التعامل مع الكفار لا يلزم بالضرورة أن يكون موالاة لهم، ومعلوم أن معاملتهم قد تبلغ إلى حد أن يتناولها اسم الموالاة والمظاهرة فتكون ردة، وقد لا تبلغ ذلك، بل تكون من قبيل الموالاة التي هي ليست توليا لهم، عند من يفرق بين التولي فيجعله ردة، والموالاة فيجعلها من الكبائر، فتكون من الكبائر، والصحيح أنه لافرق لان التولي والموالاة اشتقاقان للفعل لا أكثر.
وقد تكون من قبيل التعامل المشروع في الجملة، ثم قد يحصل بهذا التعامل مصلحة خاصة أو عامة، فيكون حكمه بحسب المصالح المترتبة عليه إن كانت شرعية كان ذلك من العمل الصالح، أو دنيوية كان ذلك من قبيل المباح، وإن جمع بين المصالح والمفاسد كان الحكم للأرجح منهما، سواء كانت دينية أو دنيوية.
وننبه إلى أن العالم - لا سيما في هذا العصر - لا يمكن أن يعيش فيه المسلمون من غير التعامل مع غيرهم، فالعالم كله يشتبك في شبكات ضخمة تجميع شعوب العالم - شاؤوا أم أبوا - في تعاملات لا تحصى، لا يمكن لمجتمع أو دولة أن تنفصل عنها طرفة عين.
ومع ذلك فكل أمة تعد بعض التصرفات مع عدوها خيانة تستوجب المروق منها، كذلك هذه الأمة الإسلامية قد جعل فيها موالاة الكفار ومظاهرتهم على المسلمين هي الخيانة العظمى التي تستوجب مروق فاعلها من هذه الأمة - سواء كان حاكما أو محكوما - ولا ينفعه أن يعتذر لها أن باطنه كان مع هذه الأمة، هيهات! بل هو مارق كافر مرتد خائن لدينه وأمته، منذ أن سمح لنفسه أن يكون عونا للكفار ومخططاتهم الخبيثة على هذه الأمة وهي تعيش أحلك أزمنة محنتها، وهي أحوج ما تكون إلى من ينصرها.
ولنختم بهذه الأبيات الجميلة التي قالها بعض الشعراء وهي في الدرر السنية في الأجوبة النجدية [7/ 190-191] :
وشتت شمل الدين وانبت حبله وصار مضاعا بين شر العساكر
وأذن بالناقوس والطبل أهلها ولم يرض بالتوحيد حزب المزامر
وأصبح أهل الحق بين معاقب وبين طريد في القبائل صائر