الصفحة 23 من 133

وقد دل على هذه المراتب الثلاث قوله سبحانه: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير} .

وكل من نقص عن المرتبة الثانية أو قصر فيها فهو من أهل الوعيد، لأنه إما تارك لواجب أو مرتكب لمحرم وصاحبه من عصاة الموحدين وهو ما يسمى بالفاسق الملي.

قال شيخ الإسلام في بيان هذه المراتب: (وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق) [مجموع الفتاوى 7/373] .

فإذا كان المقصود بأن المرء لا يخاطب بآيات الإعداد أو الجهاد حتى يكتمل إيمانه أي: حتى يأتي بالمرتبة الثانية على أتم الوجوه وأكملها، فإن هذا لا يمكن أن يكون، وذلك - وكما بينا - أن الإيمان الواجب يدخل فيه القيام بكل الواجبات والانتهاء عن جميع المحرمات، وهذه الواجبات يدخل فيها الجهاد والإعداد كما يدخل فيها الصوم والحج، فإذا كان المرء تاركا للإعداد الواجب أو الجهاد العيني فإنه لم يأت بالإيمان الواجب بل هو في دائرة الوعيد كالتارك للصيام بغير عذر سواء بسواء، ولا يمكن لمثل هذا أن يكمل إيمانه إلا بأداء عبادتي الجهاد والإعداد، هذا من حيث أصل المسألة وجهة تصورها.

أما إن كان المقصود بعدم مخاطبة ناقص الإيمان بالآيات المذكورة، أن الفاسق المرتكب للمحرمات كالزنا وشرب الخمر والسرقة ونحو ذلك لا نخاطبه بالجهاد ولا بالإعداد حتى يقلع عما هو فيه

من الفسق والفجور فهذا ما لا دليل عليه من الكتاب ولا السنة، وليس لأحد من المسلمين أن يسقط التكاليف الشرعية والأوامر القرآنية عن أحد بدعاوى لا تعتمد على دليل واضح جلي، وإلا لأمكن لكل أحد أن يتفلت من تلك الأوامر بأي وسيلة شاء وتحت أية ذريعة أراد.

هذا والأدلة من الكتاب والسنة على بطلان هذا القول لا تكاد تحصى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت