وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله، وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى قيام الساعة لاتزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق، ينصرون الله ورسوله النصر التام، فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح، عمّن يُؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فانما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [الصارم المسلول: الجزء الثاني / 414] .
فقد ذكر أن المؤمنين إن كانوا مستضعفين، فلهم أن يعلموا بما نزل من الآيات في العهد المكي في مقابلة أذى الكفار لهم بالصبر وعدم الرد بالقتال، يريد بذلك أن آيات القتال ليست ناسخة لآيات الصفح، ولايعني هذا أن الواجب على كل المسلمين في هذا الزمان، في كل موضع، أن يعملوا بأحكام العهد المكي، فهذا ابتداع خطير في الدين، لا يقوله عالم بهذا الدين، ولم يقله فيما مضى أحد من العلماء، بل ما عليه علماء المسلمين هو الأخذ بالآخر فالآخر ممّا نزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم بإجماع العلماء أن الكفار إن احتلوا بلدا مسلما وجب على المسلمين أن يقاتلوهم، حتى يجلوهم عن بلاد الإسلام، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يتخذوا الكافرين أولياء، ينصرونهم على إخوانهم المسلمين، ويمكنونهم من الاستعلاء بقوتهم في بلاد الإسلام، ومن فعل ذلك فهو كافر مرتد.
ولا يحل لأحد أن يخذل المسلمين عن جهاد عدوهم، أو يزيّن لهم التحاكم إلى طواغيت الكفر، بحجة أنهم في العهد المكيّ، ومن يفتي بهذا يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه على الارتداد عن دينه، فحكمه حكم أمثاله من أهل الردة.