الحمد لله الذي جعل الذكر جَنة أوليائه ، وجُنة لهم من أعدائه ، فهو شدو المؤمن حال رخائه ، وبلسم المصاب حال قضائه ، وسلوة المحزون حال بلائه ، ومسك الرياحين حال لقائه ، فمن فاه به في وحشة كان الأُنس من اصطحابه ، ومن رَطَّبَ لسانه به كان السعد من أحبابه ، ومن لجأ به إليه في شدة الأهوال انكشفن عن بابه ، ومن خلا به واختلا خلّا قلبه عن أوصابه (1) ، ومن سار إليه به كان السبق في رِكَابه (2) ،كيف لا ؟! ولا حياة للقلب إلا به و إلا كان بدنه رمسه وترابه (3)
(1) الأَوْصابُ الأَسْقامُ الواحدُ وَصَبٌ (اللسان)
(2) إشارة إلي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ _ قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ فَقَالَ سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ ) صحيح مسلم)
(3) إشارة إلي حديث أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ) متفق عليه وهذا لفظ البخاري أما لفظ مسلم"مَثَل الْبَيْت الَّذِي يُذْكَر اللَّه فِيهِ وَالْبَيْت الَّذِي لَا يُذْكَر اللَّه فِيهِ مَثَل الْحَيّ وَالْمَيِّت"قال ابن القيم ' ( فحياة القلب مع الله لا حياة له بدون ذلك أبدا ومتى واطأ اللسان القلب في ذكره وواطأ القلب مراد حبيبه منه واستقل له الكثير من قوله وعمله واستكثر له القليل من بره ولطفه وعانق الطاعة وفارق المخالفة وخرج عن كله لمحبوبه فلم يبق منه شيء وامتلأ قلبه بتعظيمه وإجلاله وإيثار رضاه وعز عليه الصبر عنه وعدم القرار دون ذكره والرغبة إليه والاشتياق إلى لقائه ولم يجد الأنس إلا بذكره وحفظ حدوده وآثره على غيره فهو المحب حقا) ( روضة المحبين)