التوحيد أجل أعمال العباد إذ هو منطلق العبادات ومنتهاها ، فما بُلغت الذروة في تحقيق مراتبها إلا بتحقيقه ، فأخصهم وصفًا بالعبودية أكملهم تحقيقًا له ، فتوحيد الله - عز وجل - منبعه في الإنسان قلبه فبه ينبض وله يصمد ، وله يسعى ويحفد ،فأُسُه خلو القلب من أدران المشاركة ، وتأسيسه بمعرفة نعوت الجمال وصفات الجلال ، فمتى امتلأ قلب العبد بالعلم بالله - جل جلاله - أسماءً وصفاتًا رق ،وصارت دقاته إليه بالرجاء شوق ،وخفقانه اضطراب خوف ومهابة وإجلال ،وصار دمه الذي يسري في بدنه رسول يحمل الحب رسائل ، فيغذي جوارحه بمحاباه بوسائل ومسائل ، فاليد تترفع عن الحرام ، وللندى باذلة ؛والعين عن المأثم غاضة ودموعها سائلة، والقدم عن المحارم محجمة ، وللطاعات سابقة قائمة؛ واللسان في امتحان صدق المحبة إذ علامته (كثرة ذكر المحبوب واللهج بذكره وحديثه فمن أحب شيئا أكثر من ذكره بقلبه ولسانه ولهذا أمر الله سبحانه عباده بذكره على جميع الأحوال وأمرهم بذكره أخوف ما يكونون فقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(45) } [الأنفال/45] والمحبون يفتخرون بذكرهم أحبابهم وقت المخاوف وملاقاة الأعداء كما قال قائلهم
ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السمر
وقال آخر
ولقد ذكرتك والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم
فوددت تقبيل السيوف لأنها ... برقت كبارق ثغرك المتبسم
وفي بعض الآثار الإلهية إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه فعلامة المحبة الصادقة ذكر المحبوب عند الرغب والرهب وقال بعض المحبين في محبوبه
يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع (1 ) )
(1) روضة المحبين - (ج 1 / ص 264)