"صفحة رقم 13"
تظهر القوة العملية ، كما بالتوبة تظهر القوة العلمية عن الجهل . فخلوا سبيلهم ، كناية عن الكف عنهم وإجرائهم مجرى المسلمين في تصرفاتهم حيث ما شاؤوا ، ولا تتعرضوا لهم كقول الشاعر: خل السبيل لمن يبنى المنار به أو يكون المعنى: فأطلقوهم من الأسر والحصر . والظاهر الأول ، لشمول الحكم لمن كان مأسورًا وغيره .
وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعًا ، وأبى الله أنْ لا تقبل الصلاة إلا بالزكاة ، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه في قوله: ( لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة ) وناسب ذكر وصف الغفران والرحمة منه تعالى لمن تاب عن الكفر والتزم شرائع الإسلام . قال الحافظ أبو بكر بن العربي: لا خلاف بين المسلمين أنّ من ترك الصلاة وسائر الفرائض مستحلًا كفر ، ودفن في مقابر الكفار ، وكان ماله فيئًا . ومنْ ترك السنن فسق ، ومن ترك النوافل لم يحرج إلا أن يجحد فضلها فيكفر ، لأنه يصير رادًا على النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) ما جاء به وأخبر عنه انتهى . والظاهر أنّ مفهوم الشرط لا ينتهض أنْ يكون دليلًا على تعيين قتل من ترك الصلاة والزكاة متعمدًا غير مستحلّ ومع القدرة لأن انتفاء تخلية السبيل تكون بالحبس وغيره ، فلا يتعين القتل . وقد اختلف العلماء في ذلك ، فقال مكحول ، ومالك ، والشافعي ، وحماد بن زيد ، ووكيع ، وأبو ثور: يقتل . وقال ابن شهاب ، وأبو حنيفة ، وداود: يسجن ويضرب ، ولا يقتل . وقال جماعة من الصحابة والتابعين: يقتل كفرًا ، وماله مال مرتد ، وبه قال إسحاق . قال إسحاق: وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ) إلى زماننا .
( وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذالِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ ( قال الضحاك والسدّي: هي منسوخة بآية الأمر بقتل المشركين . وقال الحسن ومجاهد: هي محكمة إلى يوم القيامة . وعن ابن جبير: جاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال: إنْ أراد الرجل منا أنْ يأتي محمدًا بعد انقضاء هذا الأجل ليسمع كلام الله ، أو يأتيه لحاجة قتل ؟ قال: لا ، لأن الله تعالى قال: وإن أحد من المشركين استجارك الآية انتهى . وقيل: هذه الآية إنما كان حكمها مدة الأربعة الأشهر التي ضربت لهم أجلًا ، والظاهر أنها محكمة . ولما أمر تعالى بقتل المشركين حيث وجدوا ، وأخذهم وحصرهم وطلب غرتهم ، ذكر لهم حالة لا يقتلون فيها ولا يؤخذون ويؤسرون ، وتلك إذا جاء واحد منهم مسترشدًا طالبًا للحجة والدلالة على ما يدعوا إليه من الدين . فالمعنى: وإنْ أحد من المشركين استجارك ، أي طلب منك أن تكون مجيرًا له وذلك بعد انسلاخ الأشهر ليسمع كلام الله وما تضمنه من التوحيد ، ويقف على ما بعثت به ، فكن مجيرًا له حتى يسمع كلام الله ويتدبره ، ويطلع على حقيقة الأمر ، ثم أبلغه داره التي يأمن فيها إنْ لم يسلم ، ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة . وحتى يصح أن تكون للغاية أي: إلى أن يسمع . ويصح أن تكون للتعليل ، وهي متعلقة في الحالين بأجره . ولا يصح أن يكون من باب التنازع ، وإن كان يصح من حيث المعنى أن يكون متعلقًا باستجارك أو بفأجره ، وذلك لمانع لفظي وهو: أنه لو أعمل الأول لأضمر في الثاني ، وحتى لا تجر المضمر ، فلذلك لا يصح أن يكون من باب التنازع . لكن من ذهب من النحويين إلى أنّ حتى تجر المضمر يجوز أن يكون ذلك عنده من باب التنازع ، وكون حتى لا تجر المضمر هو مذهب الجمهور . ولما كان القرآن أعظم المعجزات ، علق السماع به ، وذكر السماع لأنه الطريق إلى الفهم . وقد يراد بالسماع الفهم تقول لمن خاطبته فلم يقبل منك: أنت لم تسمع ، تريد لم تفهم . وكلام الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، لا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق ومأمنه مكان أمنه . وقيل: مأمنه مصدر ، أي ثم أبلغه أمنه . وقد استدلت المعتزلة بقوله:( حتى يسمع كلام الله ) على حدوث كلام الله ، لأنه لا يسمع إلا الحروف والأصوات . ومعلوم بالضرورة حدوث ذلك ، وهذا مذكور في علم الكلام .
وفي هذه الآية دلالة على أنّ النظر في التوحيد أعلى المقامات ، إذ عصم دم الكافر المهدر الدم بطلبه النظر والاستدلال ، وأوجب على الرسول أن يبلغه مأمنه . ومنها دلالة على أنّ التقليد غير كاف في الدين ، إذ كان لا يمهل بل