"صفحة رقم 12"
وقد قتل أبو بكر أصحاب الردّة بالإحراق بالنار ، وبالحجارة ، وبالرمي من رؤوس الجبال ، والتنكيس في الآبار . وتعلق بعموم هذه الآية ، وأحرق عليّ قومًا من أهل الرّدّة ، وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن المثلة . ولفظ المشركين عام في كل مشرك ، وجاءت السنة باستثناء الأطفال والرهبان والشيوخ الذين ليسوا ذوي رأي في الحرب ، ومن قاتل من هؤلاء قتل . وقال الزمخشري: يعني الذي نقصوكم وظاهروا عليكم . ولفظ: ( حيث وجدتموهم ) عام في الأماكن من حل وحرم . ( وخذوهم ) عبارة عن الأسر ، والأخيذ الأسير . ويدل على جواز أسرهم: واحصروهم ، قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد . وقيل: استرقوهم . وقيل: معناه حاصروهم إنْ تحصّنوا . وقرىء: فحاصروهم شاذًا ، وهذا القول يروى عن ابن عباس . وعنه أيضًا: حولوا بينهم وبين المسجد الحرام . وقيل: امنعوهم عن دخول بلاد الإسلام والتصرف فيها إلا بإذن . قال القرطبي في قوله: ( واقعدوا لهم كل مرصد ) دلالة على جواز اغتيالهم قبل الدعوة ، لأنّ المعنى اقعدوا لهم مواضع الغرة ، وهذا تنبيه على أنّ المقصود إيصال الأذى إليهم بكل طريق ، إما بطريق القتال ، وإما بطريق الاغتيال . وقد أجمع المسلمون على جواز السرقة من أموال أهل الحرب ، وإسلال خيلهم ، وإتلاف مواشيهم إذا عجز عن الخروج بها إلى دار الإسلام ، إلا أنْ يصالحوا على مثل ذلك .
قال الزمخشري: ( كل مرصد ) كل ممر ومجتاز ترصدونهم فيه ، وانتصابه على الظرف كقوله: ) لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ( انتهى . وهذا الذي قاله الزجاج قال: كل مرصد ظرف ، كقولك: ذهبت مذهبًا ورده أبو علي ، لأنّ المرصد المكان الذي يرصد فيه العدوّ ، فهو مكان مخصوص لا يحذف الحرف منه إلا سماعًا كما حكى سيبويه: دخلت البيت ، وكما غسل الطريق الثعلب انتهى . وأقول: يصح انتصابه على الظرف ، لأن قوله:( واقعدوا لهم ) ليس معناه حقيقة القعود ، بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه ، ولما كان بهذا المعنى جاز قياسًا أن يحذف منه في كما قال: وقد قعدوا منها كل مقعد .
فمتى كان العامل في الظرف المختص عاملًا من لفظه أو من معناه ، جاز أن يصل إليه بغير واسطة في ، فيجوز جلست مجلس زيد ، وقعدت مجلس زيد ، تريد في مجلس زيد . فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه ، فكذلك إلى الظرف . وقال الأخفش: معناه على كل مرصد ، فحذف وأعمل الفعل ، وحذف على ، ووصول الفعل إلى مجرورها فتنصبه ، يخصه أصحابنا بالشعر . وأنشدوا: تحنّ فتبدي ما بها من صبابة
وأخفى الذي لولا الأسى لقضاني
أي لقضي عليّ .
( فَإِذَا انسَلَخَ الاشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ ( أي عن الكفر والغدر . والتوبة تتضمن الإيمان وترك ما كانوا فيه من المعاصي ، ثم نبه على أعظم الشعائر الإسلامية ، وذلك إقامة الصلاة وهي أفضل الأعمال البدنية ، وإيتاء الزكاة وهي أفضل الأعمال المالية ، وبهما