وبمجرد دخوله البيت ينقلب عبوسًا ضيق الخلق جزوعًا بخيلًا بوقته وجهده.. ويعامل أبويه بأقبح ما يُعامِلُ به الظالمُ الغشومُ للخدم.. ويل للأم المسكينة إن تأخرت في إعداد عشاء أصدقائه، أو نقصَ من كمالياته ولو شيئًا يسيرًا فيعلو صوته، لا يطيق الانتظار لخمس دقائق حتى تستكمل المسكينة طلباته، وهو يتبرم ويصرخ هنا وهناك. وهكذا ديدنه.. وهي مع ذلك تدعو همسًا بهدايته سعيدة بخدمته! يا له من حظ عاثر لهذا الأخ الصغير الذي أقبل عليه ليخبره بزميل قد اتصل مقبلًا إليه بكامل العفوية والبراءة، فقد تلقى صفعة قبل أن يكمل الخبر.. ويا له من أب مسكين يأتي بعد كد ونَصَب ومشقَّ' من عمله يتلهف لرؤيته فيسأل عنه فإذا هو مع أصحابه وينتظرُه حتى يعودَ فإذا عاد وابتهجت أسارير الوالد عاد بالوجه الذي خرج به.. يستثقل إلقاء السلام ولا يطيق الجلوس مع هذا الأب، ولا يطيق نقاشًا، ولا يتقبل نصحًا أو توجيهًا، وإن عزم الأبُ على شيء من ذلك أو أظهر عتابًا بدافع إحساسه بالمسؤولية وحنو الأبوة.. كانت النتيجة القاسية.. ارتفع الشجار مرتفعًا ضغط الأب معه وعلا.. وتتأثر عاطفة هذه المخلوقة المسكينة تخاطب عاطفة الأب الحاني بالإذن بالتدخل، وسرعان ما تأتي الموافقة.. ويجري الابن مزمجرًا وناهرًا ومهددًا وثائرًا راميًا كل لوم على أبيه وأمه وإخوته أمَّا هو فيحرم اللوم له وكأنه ملك مقرب أو نبي مرسل.. وما إن يبدأ هدوء الأب، وإذا بالمشهد يتكرر.
قل لي يا بني.. هل ترى عقوقًا أعظم من ذلك؟ إنه بهذا يقتل أبويه ،ولكنه لم يحسن القِتْلة! لن يهنأ له القتل إلا بعد استكمال أقسى وسائل التعذيب فيهما..
بني.. لست أعني أن تسيء معاملتك لأصدقائك.. كلا، فإن «ابتسامتك في وجه أخيك صدقة» ولكن ابتسامك في وجه أبيك أفضل صدقة وأوثق صلة وأعظم بِر وأخلص امتثال، وهي إشارة وفاء ودليل شكر ورجاحة عقل وقبس نور وتحقيق سرور وأداء معروف ورد جميل وكسب وُّد.. ووصول إلى كل خير..