لقد جعل الله تعالى رضاه عنك من رضاهما وسخطَه من سخطهما، وقَرَن حقَّهما بالإحسان إليهما بعد حقه سبحانه وتعالى، وسما ببر الوالدين حيث لم يفرق في ذلك بين برٍّ وفاجر، فهو حق عام يجب أداؤه، ومعروف ينبغي الوفاء به ما لم يترتب على ذلك معصيةٌ أو ضررٌ شرعي.. { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [لقمان: 15] . حتى الأخ المشرك تنبغي صلتُه لما ثبت من فعل عمر - رضي الله عنه - ، وأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسماء بنت أبي بكر بأن تصلَ أمها المشركة.
إنه لمن المؤسف حقًّا أن نرى بعض الشباب مَّمن تظهر عليهم سيم الصلاح والاستقامة لا يبرون آباءهم الذين يرتكبون بعض المنهيات أو ممن قد يوصفون بالفسق، يَتَوَهَّم هؤلاء الشباب أن البرَّ مقصور على الأب الصالح، وأما الفاجر العاصي فلا يجب عليه بِرُّه، وبعضهم يصور لهم الشيطان أن البر بهذا الأب يعني مشاركته بمعصية الله والرضا بها، وأن في عقوقه له سبيلًا لاستقامة الأب وتركه لما هو عليه من فجور وفسق ومعاصٍ ليوقعه في أشد مما يرتكبه أبوه وأعظم وأخطر.. والحق أن ذلك تصوُّرٌ باطل وتعليل فاسد.. وأن العكس هو الصحيح، فبرُّ الولد بوالده أقرب في دفع الأب إلى تصحيح مساره وسلوكه.. وسواء كان ذا أو ذاك فبِرَّه واجب شرعًا، وعقوقه من كبائر الذنوب، بل يقود إلى الكفر!
ومظاهر العقوق كثيرة ومتنوعة، وشؤمه على الولد متحقق في حياة كل عاق وفي آخرته.. وإن صلى وصام وقرأ القرآن.
يقول مجاهد: لا ينبغي للولد أن يدفع يد والده إذا ضربه.. ومن شد النظر إلى والديه فلم يبرَّهما. «ومن أدخل عليهما حزنًا فقد عقهما» . قف لحظة متأملًا ما قاله هذا التابعي الجليل..!
ومن مظاهر العقوق: فعلُ ما يؤذيهما من منكرات أو ترك مأمورات، بل كل ما يؤذيهما حتى من الأمور المباحة والمعتادة.