هكذا والدك يندفع بالفطرة إلى رعايتك يضحي بكل شيء حتى بذاته كالنبتة الخضراء حينما تَمتَصُّ كلِّ غِذاء في الحبة فإذا هي فتات! هكذا أنت قد مَصَصْت كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من والديك، فإذا هما شيخوخة فانية.. وهما مع ذلك سعيدان بك منذ وُلدتَ حتى تستقل، وكل ما يأتي به الأب ويحمله إلى البيت فنصيبك نصيب الأسد منه إن لم يكن كله لك. إنه حريص على ما يلائمك ولو كان غير محبوب لديه، انتصبَ لتربيتك وجَلْبِ ما ينفعُك، ودفع ما يضُّرك، هُّمه رضاك، إن رآك حزينًا أو باكيًا لم يترك سبيلًا لصرف ما يحزنك ويبكيك لتطيبَ نفسك وتقَرَّ عينك، لا يستكره بولك، ولا تتقزز نفسه أو تنفر من إماطة الأذى والمكروه عنك.. إن أنت غبتَ عن عينه لم يَغِبْ خيالُك عن قلبه.. وإن لم يسمع صوتَك جهرَ بذكرك.. لو تأخرت على غير عادتك قَلِق وحَزَن.. لقد أجْبَنْتَهُ وأبْخَلْتَهُ.. إنه رجل شجاع قبل أن تخلق، وكريمٌ لمَّا كان بدون كنية.. فلما جئتَ جبن خوفًا عليك، وبَخِل توفيرًا لك، ولئن كان شعورك يتطلع دائمًا إلى المستقبل ويتدفق حيوية وطموحًا نحو الجديد من سيارة وزوجة وذريَّة و..، وتجد دافعًا قويًا إلى ذلك بعامل الفطرة، فإن الإسلام لم يوص الوالدين بالأولاد بمثل ما أوصى الأولاد بآبائهم؛ لأن ذلك أمر مركوز في فطرة الإنسان، وشعور الإنسان الآنف الذكر ينسيه النظرَ إلى الوراء فلا يلتفت إليه، ولا يُعيُره اهتمامًا؛ ولذا كان التأكيدُ على تذكر الإنسان بنشأته وفضلِ والديه عليه أمرًا لابد منه، حتى يكونَ على صلة وذكْرٍ لمن أفنيَا حياتهما سهرًا عليه ورعاية له، وأسدَيَا إليه من المعروف رحيق حياتهما، وآثَرَاه على نفسيهما.