تصور أن أرض المحشر التي تفنى بعد خروج الخلق منها، كل البشر منذ أن خلقهم الله مع من؟ {وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ} ، مع الوحوش والملائكة والجن كلهم محشورون في الأرض، أرض جديدة لم يطأها إنسان قط، لم يُعمل عليها ذنب قط.
ومع ذلك يدخل الناس في النار، ما هذه النار؟ يكون عِظَم ضرس الكافر في جهنم بمقدار جبل أحد، تصور! ويُلقى إليها من البشر، يُلقى، يُلقى، يلقى ... وتسأل فتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع الرب قدمه فيها فيزوي بعضها إلى بعض حتى تقول: (قط قط) [1] .
و"قط قط"على معنيين: إما على معنى يكفي، وإما أن الصوت الذي يخرج، كما أنك تضغط على الشيء فيخرج منه صوت لا معنى له، هذان تفسيران للعلماء.
أما الجنة فيدخلها الخلق ويُعطون هذه الأملاك، شجرة تأتي العنزة منذ أن تنزل من بطن أمها تطوف فيها وتموت قبل أن تصل إلى أصل جذعها. يأتي طائر أبقع يجري ألف سنة في شجرة واحدة لا يقطع ظلها! الله يسميه {مُلْكًا كَبِيرًا} .
يأخذون من هذا النعيم، ومع ذلك يبقى في الجنة موطن ليس له أصحاب فيُنشئ الله له خلقا آخر فيدخلون الجنة. هذا خلق الله، هذا نعيم الله، هذه عظمة الله، كن فيكون. تصوروا الجنة حصباؤها اللؤلؤ، هذا الحصب الحجارة فيها اللؤلؤ، التراب المسك الأذفر. تصوَّر يا عبد الله خيمة من لؤلؤة! تصوروا كم كبر الجنة، فيها كل العُبَّاد والعلماء والصالحين، وملك عظيم، {وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} .
ولا تظنوا أن الإنسان تنقطع رغباته في الآخرة، يعني الآن لو سألوك ماذا تريد أنت؟ اطلب؟ تقول: أريد الكون كله، لا قليل، عشرة أمثاله، لا عشرين مثل! (لو كان لآبن ادم واديًا من ذهب لتمنى أن يكون له واديان) [2] .
تصور أنه تنقطع آمال الإنسان فلا يبقى في ذهنه ما يتصوُّره، لأن التصور تَبَعٌ للمعرفة، يعني لا تستطيع أن تتمنى شيئًا لا تعرفه، فما الذي تطلبه؟ لباس، طعام، نساء، أموال.
(1) صحيح البخاري: (4569) ، صحيح مسلم: (2846) .
(2) صحيح البخاري: (6439) .