أول من أتى بهذه الموبقة الكبيرة؛ وهي أن إثبات الأسماء والصفات يؤدي إلى تعدُّد القدماء، أي إلى تعدد الآلهة هو الجعد في الحقيقة، ولكن الذي نشرها وفصلها هو الجهم بن صفوان، نشأ في تِرْمِذ، وقلنا أن الذي قتله هو نصر بن سيَّار. أما الجعد فالذي قتله هو خالد بن عبد الله القسري في يوم العيد، صلى في الناس العيد وقال:"يا أيها الناس ضحوا ضحاياكم تقبل الله منكم فإني مُضَّحٍ بالجعد؛ فإنه يزعم أنه ليس في السماء إله، ولم يُكِّلم الله -عزَّ وجلَّ- موسى تكليمًا"، فنزل وذبحه. وأتى بقضية نفي الأسماء والصفات التي أفرزت بعد ذلك القول بنفي كلام الله وأن القرآن مخلوق، التي فُتن فيها الإمام أحمد.
وإن كانت هذه المسألة كما ترون قديمة، ولكن تبنِّي المأمون لها، والمأمون للذِّكر إخواني ما رأيتُ في باب السياسة وفي باب العقل من غير متابعة الشرع، لا يوجد في تاريخ الإسلام -سوى من هو من الصدر الأول والخلافة الأولى من الأمويين كمعاوية وعمر بن عبد العزيز-، لا يوجد أعقل من هذا الخليفة، رجل باقعة عاقل، ودقيق النظر وحكيم. وهارون الرشيد هو أبوه، وهارون الرشيد جعل الخلافة بعده للأمين ابنه من زُبيدة، لكنه كان فيه بعض النَّزَق ولم يكن حكيمًا كحكمة المأمون. ثم طلب منه أن يولي بعده المأمون، فحاول بعض أصحاب الأمين أن يُزيلوه عن هذا الوعد وقامت الحروب وقُتل الأمين فاستلم المأمون، ونصر القول بخلق القرآن لتأثره بالمعتزلة، وخاصة التأثر الذي حدث مِن قِبل قاضيه وهو أحمد بن أبي دُؤاد.
فهؤلاء أول من أتوا بقضية نفي الأسماء والصفات، وأخذها المعتزلة؛ واصل بن عطاء أخذها وفصَّلها.
يقول عبد القاهر البغدادي:"وكانت فجَّة"؛ أي كان الاعتقاد بنفي الأسماء والصفات لم يكن راسخًا ولم يكن منتشرًا الانتشار القوي، إنما جاء من بعده أبو هُذيل العلَّاف -لأنه كان يسكن في مَحِلَّة بيع العلف-.
وهؤلاء الذين يُقال لهم (معتزلة البصرة) .
جاء أبو هذيل العلاف ثم جاء من بعده وهكذا، حتى ترسَّخ موضوع نفي الأسماء والصفات الذي أفرز القول بخلق القرآن وأن الله -عزَّ وجلَّ- لا يتكلم، فإن القول بالكلام يعني أن الحوادث تحُلُّ في ذات الله.
الركن الثاني: العدل
نرجع إلى الركن الثاني من أركان المعتزلة وهو العدل.