الصفحة 20 من 21

وبينما توضع المملكة العربية السعودية ضمن قائمة الدول التي لا تحترم الحريات الدينية تغفل الدنمارك، مع أن الأخيرة يهزأ فيها بنبي ودين جهارًا، والأولى لو تجرأ فيها مسلم فسخر من المسيح -عليه السلام- لتعرض لأشد العقاب. فما لهم كيف يحكمون!

ومن جهة أخرى يتعرض التقرير لقضية معاداة السامية على الرغم من جهود الدنمارك في هذا الصدد، وعلى الرغم من محاسبة الدولة لبعض المدانين في نحو هذه القضية، وعلى الرغم من أن اليهود شرذمة لا يتعدى تعدادها السبعة آلاف نسمة في الدنمارك، بينما يعرض عن الإساءات التي يتعرض لها الإسلام ثاني أكبر دين بالبلاد وكذلك المسلمون عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة!

بل يُعَرِّضُ التقرير في معرض ذكر معادة السامية بالمسلمين المثيرين.

وبينما يحظر على البعض البحث ولو في مسألة تاريخية كشأن المحرقة اليهودية سدًا لذريعة معاداة السامية! يباح لآخرين الطعن في دين المسلمين ونبيهم _صلى الله عليه وسلم_ جهارًا نهارًا على الملأ.

وبعد ذلك يرون بوقاحة قول المسيح -عليه السلام-:"أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بِمِثْلِهِ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ، فَأَدِرْ لَهُ الْخَدَّ الآخَرَ" [1] .

وقوله:"أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، وَبَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، وَأَحْسِنُوا مُعَامَلَةَ الَّذِينَ يُبْغِضُونَكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَضْطَهِدُونَكُمْ" [2] .

أهم حقًا أتباع عيسى _صلى الله عليه وسلم_، أم الذين قال فيهم القطامي:

تراهم يظلمون من استركوا ويجتنبون من صدق المصاعا [3] !

ويحق لنا أن نتساءل وإن كان الجواب واضحًا:

أبعض الظالمين وإن تعدى شهي الظلم مغفور الذنوب؟

وأقبح من نحو هذا الذي يتبجحون به، محاولة بعضهم إناطة أسباب بعض مظاهر الغلو في الدين بدعوات خرجت أكابر الدعاة والهداة، ويغفلون أفعالهم هذه وهم يعلمون أن كل فعل له ردة فعل معاكسة في بعض النفوس!

والخلاصة:

هي أن مفهوم حرية التعبير في ما يتعلق بجناب الأنبياء واحترامهم قانون دولي مقرر على وجه العموم، بل إن التعريض ببعض معتقدات الأديان وما يعظمون مما لايرقى إلى درجة الأنبياء حرمته مقررة في قوانينهم الدولية، ولهذا تجد أن المحرقة المزعومة لايجرؤ كثير منهم على الكلام فيها باسم الحرية، ومن تكلم حوسب. أما الكلام في الإسلام ونبيه _صلى الله عليه وسلم_ فلا يعتبرون فيه المواثيق الدولية بحجة الحرية.

وهذا التناقض ليس منشؤه غموض في القانون أو لبس في حدود مفهوم الحرية، وأما اللغط الذي يدور حول هذا المفهوم فما هو إلاّ صخب يستر به كثيرون ما تكن صدورهم من عدم اعتبار لدين الإسلام ولانبيه.

وإلاّ فإن جماهير أمم الأرض لهم معتقداتهم ولهم مقدساتهم التي يرفضون أن تمس أو تنال بسوء، فإذا سألت أمم الأرض عن رأيهم في عد السخرية والاستهزاء أو التنقص والشتم لمعتقداتهم ومقدساتهم حرية مأذونا بها لقالوا: لا. بل ذلك سوء أدب وتعد على الآخرين.

(1) انجيل متى 5/ 40، وفي انجيل لوقا نحوه 6/ 30.

(2) انجيل متى 5/ 43 - 45، وفي لوقا 6/ 29.

(3) ماصعه: جالده والمصدر مصاعًا، والعرب تقول: بطل ماصع، وأما استركوا فمعناه استضعفوا، رجل ركيك: ضعيف، تقول: استركوه فاستجرؤوا عليه، والعرب تقول: اقطع الحبل من حيث ركّ أي ضعف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت