في تقديري أن من استقلوا بعقولهم زلوا في وضع كثير من تلك القوانين، وهذا أمر من الطبعي أن يعرض لمن خرج من البشر عن دائرة ضوء الوحي المنزل من عليم بخلقه لطيف خبير، وإن لم تكن لهم أهواء وعجر وبجر فكيف إذا كانت ثمَّ؟
ولا أدل على ذلك من التعديلات والاستدراكات التي تطرأ على تلك القوانين على الرغم مما بذل لأجل وضعها، مع أن النقل واقع -ولو خفية- عن الأمثلة السابقة سواء أكانت مجلة أحكام عدلية عثمانية، أو تشريعات سماوية محفوظة.
إن جمهور الأمم والشعوب يقرون بوجود خالق وقد دل هذا الكون وما اشتمل عليه من نواميس وإحكام على أنه خالق عليم سميع بصير خبير قدير مريد. ولن يجد أحد جوابًا صوابًا عن السبب المنشيء لحدوث الحوادث وكل ما هو جائز الوجود، فيبين سبب عدم ما لم يوجد منها، أو وسبب وجود ما وجد منها إلاّ إذا أقر بخالق تلك بعض صفاته، لا تجري عليه أقيسة الشبه بالخلق، وبعدها يصح أن يسند إليه ترجيح طرفي الوجود أو العدم، وإلاّ ساقه الاقتصار في العزو إلى الأسباب إلى سلسلة مجهولة.
وكما أن خلق الخالق سبحانه وتعالى كان معجزًا محكمًا، فكذلك أمره وتشريعه المحكم الباقي.
ولهذا فإن من استقل بعقله وخرج عن نور ومحدادت الوحي المنزل ممن استتم علمه وكملت قدرته، فإنه بمثابة من انحاز في أرض زرعت بالألغام، نحو رقعة منها مظلمة مليئة بسبل الردى، فأنى لمثل هذا السلامة ما لم يسلط أضواء الوحي على طريقه، ويحسن قراءة محدداته فيها؟
نعم قد يرشده عقله وما أوتي من وسائل حس لتجنب ما نتأ من العوارض أو غار مثلًا، ولكن لن يسلم من جميعها إلاّ من شذ، وليس ذلك بفضل العقل الذي لا يعلم، فليس مع صاحبه الناجي غير الجهل، ولكن بفضل الله الذي سلّم وألهم. وقد دل خلق الله على إرادته وقدرته وعلمه.
وقد يقول قائل لم هذا التصوير ولم لا يكون العقل هو السراج الذي ينير الطريق للبشرية، وجوابه يتلخص في أن العقل آلة استنباط واستنتاج تعمل في معطيات الواقع التي يقود إليها الحس، ووفقًا لمعطيات الحس قد يلتذ الإنسان أو يتأذى، وبهذا قد يعلم العقل ملاءمة الفعل له أو منفاته، وهذه الأفعال كثيرًا ما تتعارض فيها الرغبات فقد يلتذ أحدهم بما يتأذى به الآخر، فيتباين الحكم العقلي لكل منهما وفقًا لرغباته ومصالحه، كما أنه ثمت أمور تضطرب أحاسيس الناس تجاهها وتختلج مشاعرهم عندها، وهنا يتعطل استدلال العقل بالحس ويحتاج إلى ما يضيء له الطريق، وقد لا تختلف حواس الناس لكنها تعجز نظرًا لقصورها وحدودها التي لا تتجاوزها قدرة البشر مع أن للشيء الذي عجزت عن إدراكه أثره، فالعين -على سبيل المثال- قد تحتاج لأمر خارج عنها حتى تبصر مع توافر شروط الرؤية وانتفاء موانعها إذا كان ما يراد إبصاره خارج عن حدود قدرتها، فإذا قَصُرت الحواس عن إدراك أمر غيبي أو مشهود، أو اختلفت فيه أو في تقدير ما يترتب عليه، وما ينبغي له، احتاجت البشرية إلى ما يعرفها هل هذا الفعل سببًا للذم أو العقاب، أم لا؟ وما مقدار الذم أو العقاب الذي يستحقه من قارف ما اتفقت العقول على قبحه، واختلف في مقدار جزائه؟
وإلاّ فلو اتفقت العقول البشرية الصحيحة -وهذا ما يزيفه الواقع- لاكتفينا بحكم العقل حتى في المجتمع الواحد الذي يتغير ويتبدل رأي عقلائه قرنًا إثر قرن.
التفريق بين فلسفة الإسلام ومعتقد أهله في شأن القوانين البشرية وبين التعامل مع واقعها:
إذا تقررت تلك النظرة للقوانين التي يفرضها منطق القوة، فإن هذا لا يمنع التعامل مع واقعها بحكمة وفقًا لفقه القدرة ومقتضى المصلحة الشرعية، مع بقاء الرأي والمعتقد في تلك القوانين وفقًا لما تقتضيه النظرة الإسلامية، فإذا اختلت موازين القوى وتغيرت الطاقات والقدرات وأمكن صياغة تلك الأحكام وفقًا للنظرة الشرعية فبها ونعمت، وإلى ذلك الحين تظل المدافعة، ونافذة بيان الرأي وإثبات جدارته وصلاحيته مشرعةً يمكن من خلالها إذاعة فلسفة الإسلام ورؤاه في أمثال تلك القوانين، وذلك أول سبيل الدعوة إليها، شريطة أن يقوم بذلك المأهلون العالمون بالشرع والواقع.