الصفحة 15 من 21

ويصوغها بعضهم في شكل طرفة يصور فيها رجلًا يتثاءب ويتمطى على مقعده بحديقة عامة، فيفرد يده بكل قوة لتستقر في أنف جاره الغافل، والذي ما أن رقأ دمعه، وذهب احمرار وجهه، واختفت أصداء صرخته، حتى قال لجاره: بهدوء -يغبط على تمالك نفسه فيه-: يا عزيزي لقد هشمت أنفي!

فما كان من جاره إلاّ أن فرَّ ثغره مبديًا أسنانًا صفراء في ابتسامة باردة، ثم قال مجيبًا صاحبه: أنا .. أنا حر! أتمطى كيف شئت أن أتمطى!

وبعدها أظلمت الدنيا أمامه إثر شيء صلب اصطك بصدغه، وكان آخر ما سمعه كلمات بل صرخات يقول فيها جاره الذي تصاعدت أبخرة الغضب من رأسه، وحاكى لونه لون الجزرة، بينما انطلقت أطرافه الأربعة نحوه كأنها نبال: حرية يدك تنتهي حيث تبدأ حرية أنفي يا ...

ومن رحمة الله به أن حجب عنه سماع بقية الكلمات فقد أغمي عليه إثر اصطكاك بعض الأطراف برأسه!

ولعل مضمون هذه العبارة أمر بدهي، كما أن ما يرد عليها من قيود أمر بدهي كذلك، ومن ذلك ما قاله السياسي الأمريكي نجم المحافظين الصاعد والمدافع عن الحريات الفردية الشهير بول جاكوب ( Paul Jacob) إذ قال ما حاصله: إنك قد تملك الحق في أرجحة قبضتيك حتى تستقر ليس فقط على رأس أنف صاحبنا، بل أبعد من ذلك بنصف بوصة إلى حيث يتكوم أنفه!

وذلك في حالات المجازاة بالمثل، أو الدفاع عن النفس، شريطة ألا يصل ذلك إلى حد أبعد من: (العين بالعين) [1] .

ولعل هذه أمور بدهية لا يجادل في مجملها عاقل، غير أن الجدال انتصب في بعض الصور والتطبيقات التي تُلحق بها. والحق أن كثيرًا من الأمثلة التطبيقية قد تكون محل نظر وتأمل، يكتنف القول بأنها من قبيل تلك البدهيات حق وباطل، بيد أن الجدل في بعضها من قبيل إنكار البدهيات والاعتراض بالجدل المحض من أجل تسويغ واقع منحرف باسم الحرية.

ولعله مر بك -أيها الفاضل- يومًا أحد المجادلين في مسألة واضحة محاولا تسويغ الخطأ الذي أخطأه، ولعلك لا تنسى أي شيء انقذف في رُوعِك تجاه ذلك المكابر باطر الحق، وغامط الناس، المعرض عن الانصياع للصواب.

وحقًا:

مَن ناطَ بِالعُجْبِ عُرى أَخلاقهِ ... نيطَت عُرى المَقتِ إِلى تِلك العُرى

وحتى لا يكون هذا، فتكثر القبضات الطائرة والأنوف المحطمة، ولغيره، وضع الحقوقيون قوانينهم الوضعية لتكفل عدم المساس ببعض تلك الحريات البدهية، وإن أدى الأمر إلى منع الحرية عن طريق الحبس بل القتل لأولئك العابثين بالحريات ولو باسم الحرية.

نظرة إسلامية في القوانين العالمية:

هل يستقل العقل بوضع قوانين تضبط الحريات:

ولعل هذا يساهم في طرح الفلسفة الإسلامية ونظرتها لتلك القوانين.

(1) ينظر هذا المعنى في مقال كتبه عنوانه: حدود الحرية، ( Liberty's limits) ، ونشر في التاون هول دوت كوم [مجموعة تفاعلية على الإنترنت تستجلب كتابات المنظمات السياسية المحافظة العامة، وموظفو الكونجرس، ونشطاء سياسيون يجمعهم فكر المحافظين] ، وعلى الرابط التالي نسخة من مقاله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت