الصفحة 69 من 292

وما ورد من الاقتضاب في الكلام العربي، فلا يكاد يخلو منه كلام في أي لسان، وقد كانوا هم أول ناقديه، ولم يكن معدودًا عندهم من الكلام البليغ. ولعل بعض الاقتضاب يرجع إلى ما أصاب الشعر الجاهلي من نسيان بعض أجزائه ونسبة الرواة بعضًا من أجزائه إلى غير قائله، والانتحال. وإذا كان ذلك حال الشعر فإن إمكانية الخلل في النثر أكبر؛ لأنه غير منظوم (1) . وقد سبقت الإشارة إلى ما كان يذكره شيخ المفسرين الطبري عن حذف بعض الكلام لظهوره (2) .

وخلاصة القول أن الاقتضاب ليس من خصائص الكلام العربي، بل هو عيب في الكلام ونقص في صاحبه، يتنزه عنه الكلام البليغ فضلًا عن أبلغ الكلام.

الظن بأن التناسب يعني التماثل:

سبق القول في مقدمة هذا المبحث أن المناسبة مدعاة للتشابه، وإن كان مجرد المناسبة لا يقتضي بالضرورة حصول المشابهة، وبحسب الدكتور دراز، فإن بعض الباحثين ظنوا أن المناسبات الموضعية بين أجزاء السورة تعني الاتحاد أو التماثل أو التداخل أو غيرها من الصلات الجنسية فحسب، وقد أدى هذا الظن إلى أن يتعسف البعض في إثبات هذا النوع من الاتصال، وفريق آخر - إذ لم يجد التشابه - نفى وجود الاتصال، وادعى أن الاقتضاب هو الأصل في القرآن وكلام العرب.

وبرأي دراز فإن"التزام طريق معين في المناسبة وهو أن تكون من قبيل التجانس المعنوي زادت المسألة ضيقًا وحرجًا، وذلك أفضى هذا الرأي بأصحابه إلى أحد الطرفين المذمومين: التكلف أو الخروج" (3) .علما بأن الصلات بين أجزاء القرآن، كما بين الكلام عمومًا، قد تكون التشابه أو التضاد أو التفريع أو الاستنباط أو التمهيد أو غيره (4) .

(1) فروخ، عمر، تاريخ الأدب العربي، (1/86-89) ، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1984م.…

(2) …في المطلب الثاني من هذا المبحث.

(3) دراز، النبأ العظيم، (ص 160) .…

(4) دراز، السابق، (ص 161) .…

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت