الصفحة 68 من 292

ويرد الدكتور أسد سبحاني بأن"العرب كانوا أبعد الناس عن الاقتضاب، وكانوا أرغبهم في دقة السبك وحسن النظام، حتى إنه كان يُعتبر عندهم مقياسًا لجودة كلامهم وبلاغته" (1) ، واستشهد على ذلك بأقوال بعض بلغاء العرب، من مثل:"البلاغة أن يكون أول كلامك يدل على آخره، وآخره يرتبط بأوله" (2) . فهذا واقع طريقة العرب في الكلام شدة التماسك والارتباط، أما منشأ الوهم بأن طريقتهم الاقتضاب - كما يفسره أسد سبحاني - فإنه لما كانت البلاغة عندهم الإيجاز وقلة اللفظ، وكان الأصل في كلامهم تنكب الفضول وبلوغ المعنى ولما يطل سفر الكلام؛ كانوا يقفزون في كلامهم قفزات واسعة، وكانوا يحذفون من الحديث ما كان مفهومًا لدى السامع، ولو لم يفعلوا لكان عارًا عليهم، فإنهم بطبيعتهم كانوا يحبون الكناية في الكلام، وعندهم أن الكلام الذي لا حذف فيه لا محل فيه للعقل والنظر، كما نقل عن الفراهي، وكان ذكاؤهم يريهم الكثير في القليل، وكانوا يقولون منوهين بميزته هذه:"الحر تكفيه الإشارة" (3) ، وهذا الإيجاز في الكلام وسرعة الانتقال من مقال إلى مقال أصبحت آفة عند الذين جاءوا من بعدهم، فإنهم نشأوا على الإسهاب في القول والإفاضة في الكلام لقلة حظهم من ذوق البلاغة وذكاء القريحة وحسن البيان.

ويتابع أسد سبحاني أنه لما استعصت عليهم متابعة الشاعر العربي في تخلصاته السريعة اللطيفة اتهموه بالاقتضاب، وكان أولى بهم أن يتهموا أنفسهم هم بالعجز، دون أن يتهموا التراث الأدبي العربي بما هو بريء منه (4) .

(1) سبحاني، إنعام النظر، (ص:83) . …

(2) ابن رشيق، العمدة، (1/244) . …

(3) …الميداني، مجمع الأمثال، (رقم 2447) ، وهو عجز البيت: (العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة) .

(4) سبحاني، إنعام النظر، (91، 92) ، بتصرف.…

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت