يكتنف موضوع المناسبة بين موضوع السورة واسمها ما يكتنف مباحث التناسب جميعها، من حيث إنها ليست كلها في غاية الجلاء والوضوح، وكأن الله تعالى جلّى لنا بعضها ليحفزنا على التدبر بحثًا عما خفي منها، وما قيل في الرد على منكري المناسبة عمومًا، يقال هنا أيضًا في مواجهة المعترضين على ارتباط اسم السورة بموضوعها، سواء لخفائه أو لتكلف القائلين به، ولكن لا يسعنا إنكاره، سيما وقد ثبت جميع أسماء السور بالتوقيف من الأحاديث والآثار، كما نُقل في المبحث الأول عن السيوطي.
إن إيماننا بتوقيفية أسماء السور، يقتضي البحث عن الحكمة من وراء هذه التسمية الربانية، حيث لا يعقل أن يصدر عن أحكم الحاكمين إلا كل أمر حكيم، وخفاء الحكمة لا يعني عدم وجودها.
يقول الزركشي في أسماء السور:"ينبغي النظر في وجه اختصاص كل سورة بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعي في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادر أو مستغرب يكون في الشيء من خلق أو صفة تخصه، أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائي للمسمى، ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز، كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها وعجيب الحكمة فيها" (1) .
وقول الزركشي أنه ينبغي النظر في وجه اختصاص كل سورة بما سميت به، حق، ومن ثمّ فالمطلوب البحث عن الحكمة الإلهية في التسمية، لكن لا يُسلم له ما بعده؛ لأنه يُسقط الأسباب البشرية والعادة العربية على الذات الإلهية والحكمة الربانية؛ حيث إن التسمية لهذه السور توقيفية ابتداء، لا أن الله - تعالى- استوقفه أمر نادر أو بارز أو غريب فسماها لأجله، وكونها منزلة للبشر عموما والعرب ابتداءً، لا يعني أنها قد خضعت لقوانينهم.
(1) الزركشي، البرهان، ( 1/ 340) .…