الصفحة 55 من 292

إن الرسول - صلى الله عليه وسلم -"كانت تنزل عليه الآيات فيأمر كتبة الوحي أن يضعوها في موضعها بين ما نزل من القرآن، في هذه السورة أو تلك، ويضع بعض ما نزل في مكة بين آيات السور المدنية، فلولا أن رابطًا يجمع بين هذه الآيات بعضها وبعض ما كان ثمة سبب يدفع إلى هذا الوضع ولا يقتضيه، بل لرتبت الآي كما نزلت وما كان هناك داع إلى ترتيب ولا تبويب، أما والقرآن قد نزل للناس كافة، وللأجيال جميعها؛ فقد اختار الله لكتابه خير ترتيب يحقق الهدف الذي له نزل الكتاب الحكيم" (1) .

الزعم بأن هذا العلم متكلف.

لعل أمرًا آخر بالغ الأهمية مما يستند إليه المعترضون على التناسب القرآني، هو بعض الكلام المتكلف في القول بالمناسبة، ومع التسليم بوجود التكلف والمتكلفين، فليس كل ما يقال متكلفًا، ولا ينبغي أن يكون ذلك ذريعة لرد الوجوه المعقولة المقبولة التي ذكرها الآخرون (2) . والواقع أنه لا يكاد يخلو علم من متكلفين، يميز تكلفَهم عادة أولو الاختصاص، لكن لا أحد يطالب بإلغاء هذا العلم لأجل هذه الفئة، ولو طالب ما استمع إليه أحد.

إن علم المناسبات القرآنية، يعتبر ـ وبحق ـ من العلوم الدقيقة التي تحتاج إلى غوص عميق وطول فكر وتدبر، والغائص لا يُشترط أن يخرج باللؤلؤ بعد كل غوص.

فلدقة هذا العلم قل المهتمون به (3) ، وندر المشتغلون فيه حتى لقد اشتكى أحدهم، وهو القاضي أبو بكر بن العربي، بأنه إذ لم يجد من يحمل هذا العلم ويأخذه عنه، فإنه قرر أن يتوقف عن الحديث فيه وتعليمه، بعد أن أكد أنه لم يتطرق لعلم التناسب القرآني إلا عالم واحد كتب عن التناسب في سورة البقرة (4) .

(1) …بدوي، أحمد أحمد ، من بلاغة القرآن، (ص:239) ، دار نهضة مصر، القاهرة، ط 3، 1370هـ- 1950م.

(2) …مُسلِِم، مصطفى، مباحث في التفسير الموضوعي، ( ص65) ، دار القلم، دمشق، ط1، 1410هـ - 1989م.

(3) الزركشي، البرهان ، (1/62) .

(4) الزركشي، السابق، (1/62) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت