الخلاف حول توقيفية الترتيب لسور القرآن.
ربما يزعم الباحث أن هذا هو أحد أبرز القضايا التي أثارت الكثير من الغبار على موضوع التناسب، ولذلك فقد بسط القول فيه في المبحث الأول، لتأكيد أن ترتيب السور والآيات توقيفي.
نزول القرآن مفرقًا حسب حوادث متخالفة.
وهذه النقطة - كما يرى الباحث - من آثار النقطة السابقة، حيث تعدى اعتراض بعض العلماء على المناسبة بين السور، لعدم قولهم بتوقيفية ترتيبها، إلى الاعتراض حتى على المناسبة بين الآيات على الرغم من إجماعهم (1) على توقيفية ترتيبها.
وحجتهم أنه كما لا يصح البحث عن المناسبة بين كلام الخطباء ونظم الشعراء وإنشاء الأدباء، التي قيلت في ظروف مختلفة زمانًا ومكانًا وموضوعًا، فكذلك لا يصح البحث عن المناسبة بين آيات القرآن التي تنزلت في ظروف متعددة ومتباينة.
ويكفي في الإجابة عن ذلك أن أيّ أديب أو شاعر،"يجمع ويرتب"ما تناثر من إنتاجه بين دفتي كتاب، لا بد وأن يكون له منهج ومنطلق في ترتيب كلامه، إذ قد يرتبه على الزمان، أو قد يخالف الترتيب الزمني لإنشائه، فيرتب أجزاءه على الموضوع، أو بحسب الطول والقصر، أو القوة والضعف، أو غير ذلك، بحسب ما يقتضيه النظر عنده، أو الغرض الذي يرمي إليه.
هذا عند البشر المخلوقين، فهل إذا رتب الله تعالى آيات كتابه وسوره بغير الترتيب الذي أنزلها فيه، لا يكون ذلك عن حكمة؟! وكيف يجتمع في العقل والذهن، بل كيف ينسجم مع الإيمان، القول بأن الترتيب من الله تعالى الحكيم العليم، مع رفض البحث عن الحكمة من هذا الترتيب؟ بل رفض الاستماع إليها وتشديد النكير عليها؟.
(1) …السيوطي، الإتقان، (1/132) .…