ثم يقول"وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور؟ فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف، تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغًا معجزًا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة وتبين الوجه الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون، فوجده تكلفًا محضًا، وتعسفًا بينًا، انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة، هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبًا على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علمًا يقينًا أنه لم يكن كذلك".
ثم قال:"وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك مسالكهم في الكلام، وجرى به مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة، وطرائق متباينة، فضلًا عن المقامين، فضلًا عن المقامات، فضلًا عن جميع ما قاله ما دام حيًا، وكذلك شاعرهم، ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحتها كثير من المحققين."
وختم الشوكاني كلامه بالقول:"وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن؛ لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ما قبله؟ قلنا: لا كيف" (1) .
وفي الإجابة عن كلام العالمين الجليلين، ربما تحسن الإشارة إلى الأمور الآتية:
(1) الشوكاني، محمد بن علي، فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، (1/ 171- 174) ، تحقيق: عبد الرحمن عميرة، دار الوفاء، المنصورة، ط 2، 1418هـ - 1997م.