وهناك نعمة الأوسط - أخيهم الصالح- الذي يأمرهم بالتسبيح، ويقتضي الأمر بالتسبيح، الرد على ظنهم أن مصلحتهم تقتضي منع المساكين، والله تعالى هو الأعلم بمصلحة العباد، وظنهم أنهم سيفلتون من عقاب الله إذ يخالفون أمره، ثم وهم يقحمون اسم الله تعالى في سياق التأكيد على اقتراف ما نهى، وذاك مناقضة للتسبيح، فضلًا عن أن الإكثار من الحلف بالله دليل على أن صاحبه لا يقدُر الله تعالى حق قدره، وقد كان حريًا بهم وهم يذكرون اسمه الجليل، أن يكون ذلك مدعاة لإجلاله وتعظيم أمره واجتناب نهيه.
ولئن نهى القرآن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - عن طاعة المكذبين وطاعة كل حلاف مهين، وأراه حال الأوسط وصحبه إذ تغلبوا عليه، فإنه قد نهاه وحذره من أن يكون كصاحب الحوت داعيًا إياه إلى الصبر لحكم ربه، ما يشير إلى أن صاحب الحوت عليه السلام لم يصبر لحكم ربه، وسيان من ينسحب ومن يدهن.
قصة مريم: فيما يتعلق بمناسبة ما ورد من قصة مريم في سورة مريم لواقع الدعوة في العهد المكي، فإن نزول هذه القصة قبيل الهجرة إلى الحبشة، يهدف - فيما يهدف- إلى لفت نظر ملكها إلى الدين الجديد، الذي يجمعه وإياه أرضية مشتركة فيما يتعلق بحقيقة عيسى عليه السلام، وليكون دافعًا له لحسن استضافة المهاجرين وحمايتهم (1) ، وقد وقع الأمران فآمن النجاشي ولم يقبل بإرجاع المسلمن إلى مكة، لا بل أنذر أهل مملكته من مغبة التعرض للمسلمين بأذى (2) .
(1) …الجابري، محمد عابد، مدخل إلى القرآن الكريم، ( 1/364-365) ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2006م، بتصرف.
(2) …العمري، أكرم ضياء، السيرة النبوية الصحيحة، ( 1/173-174) ، ط5، 1413هـ - 1993م.