الصفحة 8 من 40

وقّت، فقال: قارضتك سنة, فإنه منعه من التصرف بعدها مطلقًا أو من البيع فسد، لأنه يخل بالمقصود, وكذلك لو قال: قارضتك سنة, على أن لا أملك الفسخ قبل انقضائها فسد (1) ·

وقال مالك في الموطأ: لا يجوز للذي يأخذ المال قراضًا أن يشترط أن يعمل فيه سنتين, لا ينزع منه, ولا يصلح لصاحب المال أن يشترط أنك لا ترده إلى سنتين, لأجل يسميانه, لأن القراض لا يكون إلى أجل, قال الباجي شارحًا ومؤيدًا قول إمامه: لا يجوز أن يوقت القراض بمدة معلومة، لا يجوز فسخه قبلها, والدليل على ما نقوله, أنه عقد جائز, فلم يتوقت بمدة من الزمان كالشركة, ووجهه أن القراض عقد جائز, ومعنى ذلك أن لكل واحد من المتعاقدين فسخه متى شاء, ولو وقت بزمن لم يكن لكل واحد منهما ذلك, لأن التوقيت يمنع ذلك (2) ، ونقل هذا القول رواية ثانية عن الإمام أحمد, واختاره أبو حفص العكبري من الحنابلة (3) ، وبه قال الطحاوي من الحنفية ·

وخلاصة حججهم أن المضاربة عقد يقع مطلقًا, فإذا شرط قطعه لم يصح كالنكاح, وثانيًا: أن التأقيت ليس من مقتضى العقد, وليس فيه مصلحة, فأشبه ما لو شرط عليه أن لا يبيع, ومقتضى العقد أن يبيع ليصبح رأس المال ناضًا, وثالثًا: أن التأقيت يؤدي إلى ضرر بالعامل, إذ قد يكون الربح والحظ في تبقية المتاع والسلع وبيعها بعد الأجل المحدد, وفي التوقيت حرمان له من ذلك ·

وذهب الحنابلة والحنفية إلى صحة تقييد المضاربة بالوقت, قال ابن قدامة: ويصح تأقيت المضاربة, مثل أن يقول: ضاربتك على هذه الدراهم سنة, فإذا انقضت فلا تبع ولا تشتر, والدليل أنه تصرف يتوقت بنوع من المتاع, فجاز توقيته في الزمان كالوكالة (1) ، وقال الكاساني: ولو قال خذ هذا المال مضاربة إلى سنة جازت المضاربة عندنا, لأنها توكيل، والتوكيل يحتمل التخصيص بوقت دون وقت (2) ·

والراجح -والله أعلم- أن المضاربة تصح محددة بالزمن, لما يلي:

أولًا: لأن العقد شريعة المتعاقدين, وما دام ذلك الاتفاق لا يعارض نصًا ولا يبيح محرمًا, لزم القول به عند عامة الفقهاء, والتأقيت لا يعارض نصًا, ولا يحل محرمًا ·

ثانيًا: بنى الفقهاء قولهم بعدم التأقيت على أن المضاربة عقد جائز غير لازم, والذي أراه أن العقود الجائزة غير اللازمة يجب أن تكون في حدود عقود التبرعات كالعارية والوديعة والوكالة, أما عقود المعاوضات فيجب أن تكون لازمة, فلا يجوز فسخها إلا إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت