يشتري بها الثياب, ويقطعها بيده ويخيطها, على أن ما رزق الله تعالى في ذلك من شيء فهو بينهما نصفان, فهو جائز على ما اشترطا, لأن العمل المشروط عليه مما يصنعه التجار على قصد تحصيل الربح, فهو كالبيع والشراء, وكذلك لو قال له على أن يشتري بها الجلود والأدم ويخرزها خفافًا ودلاء وروايا وأجربة, فكل هذا من صنع التجار, على قصد تحصيل الربح, فيجوز شرطه على المضاربة" (1) ، ويقول الكاساني:"وتصرف المضارب مبني على عادة التجار , قال محمد: وله أن يستأجر أرضًا بيضاء ويشتري ببعض المال طعامًا, فيزرعه فيها, وكذلك له أن يقلبها ليغرس فيها نخلًا أو شجرًا أو رطبًا, فذلك كله جائز, والربح على ما شرطا, لأن الاستئجار من التجارة, لأنه طريق حصول الربح" (2) ·"
ومن هذه النصوص يتضح أن مفهوم التجر عند الحنفية أوسع من قضية البيع والشراء, فالعمل المقصود منه الربح تجارة كما قاله السرخسي, والاستئجار من التجارة كما قاله الكاساني, وهذا مصرح به في معظم كتب الحنفية, قال الصدر الشهيد:"ويملك المضارب بمطلق الإيجاب والقبول الإيداع والإبضاع والإجارة والاستئجار والرهن والارتهان وما أشبه ذلك" (3) ·
ويعكر هذا التوجه بعض الأمثلة مما أفتى به علماء الهند من الحنفية حيث قالوا: لو أخذ نخلًا أو شجرًا معاملة على أن ينفق عليه من مال المضاربة لا يجوز (1) ثم قالوا: لو أخذ الأرض مزارعة واستنبتها بطعام اشتراه ببعض مال المضاربة يجوز, والصحيح ألا فرق بين المسألتين ليختلف حكمهما, وما ذكره البعض أن العمل في الثانية أوضح من الأولى (2) غير صحيح, ففي الحالتين للمضارب عمل, والعمل لا يحسب بالجهد فقط، بل بالعلم والخبرة والإدارة, ثم غاية المتعاقدين الربح, وليس إجهاد المضارب, ليصبح العمل والجهد أساسًا في التفريق بين ما يصح من المضاربة وما لا يصح ·
أما المالكية فالظاهر أن سبب عدم جواز بعض الأمثلة والصور عندهم هو اشتراط رب المال على المضارب ذلك, ولو فعل المضارب ذلك دون شرط لصح العقد والعمل, قال محمد عليش: كذلك قراض اشترط فيه رب المال على العامل أن يزرع العامل بمال القراض فلا يجوز, وإن نزل فيه أجرة المثل, وإن لم يشترط عليه فيجوز له أن ينفق مال القراض في الزراعة, إن كان بموضع أمن وعدل, ثم نقل عن الإمام مالك قوله: ولو زرع العامل من غير شرط في أرض اشتراها من مال القراض أو اكتراها جاز, إن كان