شيء أيضًا إن كان عالمًا بالحال, لأنه عمل في مال غيره بغير إذنه, وإن كان جاهلًا بالحال رجع على المضارب الأول بأجرة مثله, لأنه غرر به, وقد قام بعمل يستحق العوض في مضاربة فاسدة (1) ·
وللشافعي في هذه المسألة قولان, القديم منهما أن الربح لرب المال، وليس للمضارب شيء, لأنه كالغاصب, فلا يصح أن يكون فعله المحظور سببًا في تملك مال, إذ الناتج من المحظور محظور, ولأن الربح نماء المال، فيتبع مالكه ·
أما القول الثاني وهو مذهبه الجديد, أن الربح للعامل وليس لرب المال منه شيء, لأن الغاصب مطالب بمثل ما اغتصب, أما الربح فهو ناتج من العمل والتقلب, فهو للغاصب دون المغصوب منه, بخلاف الثمار والنتاج فهما حادثان عن المال دون العمل, فهما لرب المال وليس للغاصب منهما شيء ·
إلا أن فقهاء الشافعية خرّجوا على هذين القولين خمسة آراء أجملها الماوردي بقوله:
أحدهما: أن جميع الربح لرب المال, ولا شيء فيه للعاملين, وهذا مذهب أبي العباس ابن سريج على قوله في القديم ·
الثاني: أن نصف الربح لرب المال, والنصف الآخر للعامل الأول، وللعامل الثاني على العامل الأول أجرة مثله, وهذا مذهب أبي إسحاق المروزي على قوله في القديم ·
الثالث: أن نصف الربح لرب المال, والنصف الباقي بين العاملين نصفين, وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة على قوله في القديم ·
الرابع: أن الربح كله للعامل الأول, ولا شيء فيه لرب المال, ولا للعامل الثاني بل يرجع بأجرة مثله, على قوله في الجديد ·
الخامس: أن الربح كله للعامل الأول ولا شيء فيه لرب المال, ولا للعامل الثاني بل يرجع بأجرة مثله على العامل الأول (1) ، وهذا مذهب أبي علي بن أبي هريرة, على قوله في الجديد ·
ومع هذا العرض لأقوال الفقهاء في المذاهب الأربعة, إلا أن في طيات كل مذهب تفريعات وتفصيلات, بعضها مقبول, وبعضها مردود, كتفريق الحنفية في الضمان قبل تصرف المضارب الثاني وبعد التصرف, بناء على أن للمضارب الأول إيداع المال, وتناسى الحنفية أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني, فالمضارب الأول دفع المال بقصد المضاربة, لا بقصد الإيداع, فهو متعد من وقت الدفع وضامن,