خلافهم (2) ·
وبهذا علل الحنفية أيضًا, وزادوا علة أخرى, وهي أن العامل سوّى غيره مثله في ثقة رب المال, قال السرخسي: ليس للمضارب أن يدفعه إلى غيره مضاربة, لأنه سوّى غيره بنفسه في حق الغير, ولأنه يوجب للثاني شركة في ربح مال رب المال, ورب المال ما رضي إلا شركته (3) ، وبنى الكاساني ذلك على قاعدة فقهية"أن الشيء لا يستتبع مثله"والمضاربة مثل المضاربة فلا يُستفاد من مطلق عقد المضاربة مضاربة مثله, كما لا يملك الوكيل توكيل غيره بمطلق الوكالة (4) ، وعلل المالكية بعدم الرضا لأمانة الآخرين, قال القرافي: ولا يجوز للعامل أن يقارض إلا بإذنك، لأنك لم ترض أمانة غيره (5) ·
ومع اتفاق الفقهاء على ما سبق, إلا أنهم اختلفوا في آثار تصرف المضارب لو فعل ذلك وحصل ربح أو خسران, فذهب المالكية إلى إعطاء رب المال الحق في تضمين أي من العاملين شاء, المضارب الأول أو المضارب الثاني, إذا حصل خسران أو تلف عند المضارب الثاني فإن حصل ربح, فلرب المال من الربح ما اشترط على العامل الأول, وللعامل الثاني الباقي, إن كان اتفاق الثاني مع المضارب الأول, كاتفاق الأول مع رب المال, فإن كان اتفاق العاملين أكثر, أخذ رب المال ما اشترط, وغرم العامل الأول للثاني ما نقص عليه حسب الاتفاق, وإن كان اتفاق العاملين أقل مما اتفق عليه رب المال مع العامل الأول, أخذ المضارب الثاني حصته المتفق عليها, وأخذ رب المال الباقي, وليس للمضارب الأول شيء, لأنه لم يقدم عملًا, ولا هو صاحب رأس المال, وذلك سبب استحقاق الربح (1) ، وذكر القرافي في كتابه الذخيرة صورًا (2) أخرى منها لو خسر العامل الأول نصف رأس المال قبل دفعه للثاني, ثم دفع النصف الباقي فعمل به الثاني وربح, وزاد الربح عن جميع رأس المال, ولم يعلم الثاني بذلك، أخذ رب المال رأس ماله ونصف الزائد, وأخذ الثاني ما بقي, ثم يرجع على الأول بنصف رأس المال الذي أخذه رب المال من الربح ·
وقال أشهب في هذا: لا يحسب رب المال على الثاني إلا النصف الذي قبضه, ثم يقتسمان الربح الزائد على ذلك, ثم يعود رب المال على الأول بنصف رأس المال التالف إن كان متعديًا بتلفه, وإلا أخذ منه ما يكمل رأس المال وحصته من الربح, ثم ضرب مثالًا موضحًا لذلك برجل أعطى لعامل ثمانين, فتلف نصفها, ودفع العامل الأربعين الباقية لعامل ثانٍ, فعمل بها وربح ستين, فلرب المال من العامل الثاني سبعون, أربعون