لكن إن تطوع العامل بالضمان ففي صحة ذلك القراض خلاف عند المالكية (1) ، وفي المعيار المعرب: أن القاضي أبا المطرف بن بشير أملى عقدًا، أن وصيًا على مال سفيه دفع ذلك المال قراضًا إلى رجل على جزء معلوم، وأملى فيه أن العامل طاع بالتزام ضمان المال وغرمه, وقد اعترض عليه وأنكر, لكن القاضي لم يحفل بذلك, واحتج بمذهبه, ونصره بحجج بسطها, ومسائل استشهد بها, وبهذا قال تلميذه أبو عبد الله بن عتاب, وقال: أراه صوابًا (2) ·
وذهب الحنفية إلى صحة العقد وعدم فساده, لأنه يشبه الشرط الفاسد في البيع, حيث يكون البيع جائزًا والشرط باطلًا, كما في قصة بريرة, قال الكاساني: ولو شرطا في العقد أن تكون الوضيعة عليهما بطل الشرط, والمضاربة صحيحة, والأصل في الشرط الفاسد إذا دخل في هذا العقد, أنه ينظر إن كان يؤدي إلى جهالة الربح يوجب فساد العقد لأن الربح هو المعقود عليه وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد · وإن كان لا يؤدي إلى جهالة في الربح يبطل الشرط وتصح المضاربة, وشرط الوضيعة عليهما شرط فاسد, لأن الوضيعة جزء هالك من المالك, فلا يكون إلا على رب المال, لا أنه يؤدي إلى جهالة في الربح, فلا يؤثر في العقد, فلا يفسد به العقد, ولأن هذا عقد تقف صحته على القبض, فلا يفسده الشرط الزائد الذي لا يرجع إلى المعقود عليه كالهبة والرهن, ولأنها وكالة, والشرط الفاسد لا يعمل في الوكالة (3) ·
وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة, قال ابن قدامة: ومتى شرط على المضارب ضمان المال, أو سهمًا من الوضيعة, فالشرط باطل, لا نعلم فيه خلافًا, والعقد صحيح, نص عليه أحمد, وروي عنه أن العقد يفسد به, وحكي ذلك عن الشافعي, لأنه شرط فاسد فأفسد المضاربة، كما لو شرط لأحدهما فضل درهم, والمذهب الأول (1) ·
والذي أراه, أن لا خلاف كبيرًا بين الفقهاء, لاتفاقهم على إلغاء الشرط وعدم اعتباره, وينحصر خلافهم في صحة العقد والحكم باستمراره, أو في فساده ولزوم فسخه, ولكلا القولين وجهات نظر صحيحة وأخرى غير صحيحة وآثار إيجابية وسلبية, فالقول بصحة العقد واستمراره قد يؤدي إلى تغرير أرباب الأموال حيث يظن أحدهم ضمان رأس ماله, وهو ليس كذلك ·
كما أن القول بفساد المضاربة يتعارض مع منهج الفقهاء في ترجيح تصحيح معاملات الناس على إفسادها ما أمكن ذلك, على أن الناظر يرى أن لهذا الاشتراط دوافع