فإن الصراط المستقيم يتضمن علوما وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت. فتفاصيل الصراط المستقيم قد يعلمها العبد، وقد لا يعلمها، وقد يكون ما لا يعلمه أكثر مما يعلمه، وما يعلمه قد يقدر عليه وقد لا يقدر عليه، وهو الصراط المستقيم وإن عجزت عنه، وما يقدر عليه قد تريده نفسه وقد لا تريده، كسلأ وتهاونا، أو لقيام مانع وغير ذلك، وما تريده قد يفعله وقد لا يفعله، وما يفعله قد يقوم فيه بشروط الإخلاص وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بشروط الإخلاص قد يقوم فيه بكمال المتابعة وقد لا يقوم، وما يقوم فيه بالمتابعة قد يثبت عليه وقد يصرف قلبه عنه، وهذا كله واقع سار في الخلق. فمستقل ومستكثر..."أهـ [1] ."
وإن المتأمل في زماننا اليوم وما يعج به من ألوان الفتن والفساد والشبهات والشهوات ليشعر بالخوف الشديد، والإشفاق على نفسه من أن يزيغ قلبه أو تزل قدمه في وسط هذه الأمواج العاتية، وكيف لايخاف وهو يرى تقلب القلوب ومزلات الأقدام من حوله، كيف لا وهو يرى أنماطا من السلوك والتفكير والمواقف تظهر على أشخاص وهيئات لم تكن معهودة لهم من قبل، ولا يتصور أن تصدر من أمثالهم؟ حيث أصبحنا نسمع ونرى مالم نك نعهده في المنتسبين إلى عقيدة أهل الاستقامة أهل
السنة والجماعة، الذين ثبتوا على ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، وصحبه الكرام عقيدة وسلوكًا وعبادة ودعوة وجهادًا، وما أبرئ نفسي فاللهم سلم سلم.
وفي هذه الرسالة الجديدة من رسائل الوقفات التربوية في ضوء القرآن الكريم؟ سأتطرق فيها إن شاء الله تعالى إلى مسألة الاستقامة على دين الله عز وجل. ما حقيقتها، وما ورد في الكتاب والسنة، وآثار السلف الصالح عنها، وما هي أسباب ترك الاستقامة أو ضعفها، وما مظاهر البعد عنها في واقعنا المعاصر، وسبل تحقيقها إلى غير ذلك من المباحث.
(1) الجواب الكافي: ص 167 .