"ومنها"أن الأخلاق مكتسبة بالمعاشرة، ففيه تحذير عن اكتساب شيء من أخلاقهم بالمخالطة لهم: فليأخذ حذره، فإنه محتاج إلى مخالطتهم لأجل دعوتهم إلى الله تعالى.
"ومنها"أنهم يبدون مصالح فيما يأمرون به ؛ فلا تطع من كان هكذا ولو أبداها ؛ فإن الباعث لهم على ما يأمرون به هو ما في نفوسهم من الجهل والظلم. وإذا كان الأصل المقتضي للأمر فاسدا لم يقبل من الآمر، فإن الأمر مداره على العلم بالمصلحة وإرادتها، فإذا كان جاهلأ لم يعلم المصلحة، وإذا كان الخلق فاسدا لم يردها: وهذا معنى بليغ...
... وقوله: (( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) )الآية. أخبر أنهم يحبون إدهانه ليدهنوا، فهم لا يأمرونه نصحا، بل يريدون منه الإدهان ويتوسلون بإدهانه إلى إدهانهم، ويستعملونه لأغراضهم في صورة الناصح ؛ وذلك لما نشأ من تكذيبهم بالحق، فإنه لم يبق في قلوبهم غاية ينتهون إليها من الحق ؟ لا في الحق المقصود ولا الحق الموجود ، لا خبرًا عنه ، ولا أمرًا به،
ولا اعتقادًا ، ولا اقتصادًا" [1] أ هـ ."
ويحذر سيد قطب رحمه الله تعالى عند هذه الآية من الرضوخ لمساومة المكذبين والالتقاء معهم في منتصف الطريق فيقول:"فهي المساومة إذن، والالتقاء في منتصف الطريق. كما يفعلون في التجارة. وفرق بين الاعتقاد والتجارة كبير! فصاحب العقيدة لا يتخلى عن شيء منها لأن الصغير منها كالكبير. بل ليس في العقيدة صغير وكبير . إنها حقيقة واحدة متكاملة الأجزاء. لايطيع فيها صاحبها أحدًا ، ولا يتخلى عن شيء منها أبدًا ."
(1) مجموع الفتاوى 16/ 63- 66 باختصار.