وللإمام ابن القيم رحمه الله تعالى كلام نفيس عن أولئك الذين يداهنون في قول الحق ويتنازلون عنه أمام كيد الكائدين وذلك عند قوله تعالى: (( أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ ) ) [الواقعة:81] فيقول:"... ثم وبخهم سبحانه على وضعهم الإدهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون بما حقه أن يصدع به ويفرق به ويعض عليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر، وتعقد عليه القلوب والأفئدة، ويحارب ويسالم لأجله، ولا يلتوى عنه لا يمنة ولايسرة، ولا يكون للقلب التفات إلى غيره، ولا محاكمة إلا إليه، ولا مخاصمة إلا به، ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره، ولا شفاء إلا به فهو روح الوجود وحياة العالم، ومدار السعادة وقائد الفلاح وطريق النجاة، وسبيل الرشاد، ونور البصائر فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه، ولم ينزل للمداهنة ؟ وإنما أنزل بالحق وللحق. والمداهنة [1] إنما تكون في باطل قوي لا يمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا يمكن إقامته، فيحتاج المداهن إلى أنه يترك بعض الحق ويلتزم بعض الباطل. فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يدهن به؟" [2] أهـ.
ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض الفوائد في النهي عن طاعة المكذبين الواردة في هذه الآية فيقول:"منها: أن النهي عن طاعة المرء نهي عن التشبه به بالأولى فلا يطاع المكذب والحلاف، ولا يعمل بمثل عملهما ، كقوله: ولا تطع الكافرين والمنافقين ، وأمثاله، فإن"
النهي عن قبول قول من يأمر بالخلق الناقص أبلغ في الزجر من النهي عن التخلق به.
"ومنها"أن ذلك أبلغ في الإكرام، والاحترام ؛ فإن قوله: لا تكذب، ولا تحلف، ولا تشتم، ولاتهمز: ليس هو مثل قوله لا تطع من يكون متلبسا بهذه الأخلاق ؛ لما فيه من تشريفه وبراءته.
(1) يعني (با لمدا هنة) هنا: المد ارا ة.
(2) التبيان في أقسام القرآن ص 147.