والمسألة مسألة إيمان بالدعوة كلها. فالذي ينزل عن جزء منها مهما صغر، والذي يسكت عن طرف منها مهما ضؤل!، لا يمكن أن يكون مؤمنا بدعوته حق الإيمان. فكل جانب من جوانب الدعوة في نظر المؤمن هو حق كالآخر. وليس فيها فاضل ومفضول [1] (1) . وليس فيها ضروري ونافلة. وليس فيها ما يمكن الاستغناء عنه، وهي كل متكامل يفقد خصائصه كلها حين يفقد أحد أجزائه. كالمركب يفقد خواصه كلها إذا فقد أحد عناصره!
وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات. فإذا سلموا في الجزء فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعر ينتهيان إلى تسلم الصفقة كلها !
والتسليم في جانب ولو ضئيل من جوانب الدعوة لكسب أصحاب السلطان إلى صفها؛هو هزيمة روحية بالاعتماد على أصحاب السلطان في
نصرة الدعوة. والله وحده هو الذي يعتمد عليه المؤمنون بدعوتهم. ومتى دبت الهزيمة في أعماق السريرة، فلن تنقلب الهزيمة نصرا" [2] أ. هـ."
الآية الثامنة: قوله تعالى: (( وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ ) )
[القصص:65-66]
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عند هذه الآية أي:"فلا يسألهم ربهم عن موجبات عقولهم بل عما أجابوا رسله فعليه يقع الثواب والعقاب" [3] .
ويقول في ميميته المشهورة:
وبالسنة الغراء كن متمسكا
هي العروة الوثقى التي ليس تفصم
تمسك بها مسك البخيل بماله
وعض عليها بالنواجذ تسلم
وإياك ما أحدث الناس بعدها
فمرتع هاتيك الحوادث أوخم
وهيء جوابا عندما تسمع الندا
من الله يوم العرض: ماذا أجبتم؟
(1) هذا الكلام لا يسلم بإطلاق لان الدين بالجملة فيه فاضل ومفضول، ولكن قد يكون مقصود سيد قطب رحمه الله تعالى تلك الثوابت العقدية التي يجب أن تنطلق منها الدعوة الإسلامية.
(2) في ظلال القرآن 4/ 2245.
(3) مفتاح دارالسعادة 2 / 51.