يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية الكريمة:"أي هذا كتاب أنزل إليك من ربك (( فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ) )، قال مجاهد وعطاء وقتادة والسدي: شك منه. وقيل ألا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به {فاصبر كما صبر ألوا العزم من الرسل } ، ولهذا قال: (( لِتُنْذِرَ بِهِ ) )أي أنزلناه إليك لتنذر به الكافرين (( وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) )، ثم قال تعالى مخاطبًا للعالم (( اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ) )أي اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه (( وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ) )أي لا تخرجوا عما جاءكم به الرسل إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره" [1] .
ويبين الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى الطوائف التي تكون في صدورها حرج من القرآن فيقول:"والله تعالى رفع الحرج عن الصدور بكتابه. وكانت قبل إنزال الكتاب في أعظم الحرج والضيق، فلما أنزل كتابه، ارتفع به عنها ذلك الحرج، وبقي الحرج والضيق على من لم يؤمنوا به، كما قال تعالى: (( فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًاَ ) ) [الأنعام:125] "
ومن آمن به من وجه ؛ دون وجه ارتفع عنه الحرج والضيق من الوجه الذي آمن به دون ذلك الوجه. فمن أقر أنه منزل من عند الله أنزله على رسوله، ولم يقر بأنه كلامه الذي تكلم به، بل جعله مخلوقًا من مخلوقاته كان في صدره من الضيق والحرج ما يناسب ذلك. ومن أقر بأنه تكلم بشطره وهو المعاني دون شطره الاخر ؛ وهو حروفه كان من الحرج منه ما يناسب ذلك. ومن زعم أنه غير كاف في معرفة الحق وأن العباد يحتاجون معه إلى معقولات، وآراء ومقاييس ، وقواعد منطقية، ومباحث عقلية،
(1) تفسير ابن كثير عند الآية (2، 3) من سورة الأعراف.