ففي صدره منه أعظم حرج. وأعظم حرج منه من اعتقد أن فيه ما يناقض العقل الصريح، ويشهد العقل بخلافه. وكذلك من زعم أن آياته لايستفاد منها علم ولا يقين، ففي صدره منه من الحرج ما الله به عليم ومن زعم أن الخطاب به خطاب جمهوري يخيل للعامة ما ينتفعون به ما ليس له حقيقة في نفس الأمر ؛ ففي صدره منه أعظم حرج. ومن زعم أن أجل ما فيه وأشرفه وأفضله وهو قسم التوحيد المتضمن للأسماء والصفات، مجازات واستعارات وتشبيهات لا حقائق ؛ ففي صدره منه أعظم حرج. فكل هذه الطوائف في صدورهم منه حرج وريب، وليس في حقهم هدى ولا شفاء، ولا رحمة..." [1] ."
ويقول أيضا:"ولا تجد ظالمًا فاجرًا إلا وفي صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته فتدبر هذا المعنى ثم ارض لنفسك ما شئت" (1) .
ويبين سيد قطب رحمه الله تعالى جانبا آخر من الحرج الذي يواجهه الداعي إلى الحق، الذي ينبغي أن لا يأبه به ولا يصده عن الصدع به فيقول: (( كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) )..
كتاب أنزل إليك للإنذار به والتذكير.. كتاب للصدع بما فيه من الحق ولمواجهة الناس بما لا يحبون ؛ ولمجابهة عقائد وتقاليد وارتباطات ؛
ولمعارضة نظم وأوضاع ومجتمعات. فالحرج في طريقه كثير، والمشقة في الإنذار به قائمة.. لا يدرك ذلك- كما قلنا في التعريف بالسورة- إلا من يقف بهذا الكتاب هذا الموقف ؛ وإلا من يعاني من الصدع به هذه المعاناة ؛ وإلا من يستهدف من التغيير الكامل الشامل في قواعد الحياة البشرية وجذورها، وفي مظاهرها وفروعها، ما كان يستهدفه حامل هذا الكتاب أول مرة - صلى الله عليه وسلم - ليواجه به الجاهلية الطاغية في الجزيرة العربية وفي الأرض كلها..
وهذا الموقف ليس مقصورًا على ما كان في الجزيرة العربية يومذاك،
(1) بدائع التفسير 2/ 191، 192.