الصفحة 3 من 39

... فجعل من أسباب ذلك التعاون والتكاتف والتآلف بين الناس، التي بها يصنع النجاح وتذلل الصعاب وتبارك الجهود، وما ذاك إلا ثمرة لعون الله تعالى للمؤمنين، إذا التزموا أمره، إذ يقول: ( وتعاونوا على البر والتقوى ) (1) ، وقول الرسول الكريم، عليه الصلاة والسلام: ( فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية) (2) ، وهي سنة كونية استفاد منها غير المؤمنين حين أخذوا بأسباب القوة، فجعلها الله سببًا لنجاحهم وتفوقهم المادي.

... ... لقد وضع الناس اللوائح والأنظمة؛ في محاولة لتطبيق العمل المؤسسي، لكنها تظل حبيسة لفطرهم تلك، وسيظل نجاحها متوقفًا على مدى رغبتهم في التخفيف من طغيان تلك الغريزة، ومتى لم تشأ فطرهم ذلك، لا تفلح كل هذه الأنظمة في شيء وستبقى حبرا يملأ الأوراق، وشعارات تردد وتبرز، لإثبات المسلك المؤسسي للمتنفذين ، عند الحاجة لذلك، حتى ولو كان الواقع يخالف تلك الشعارات.

... ... وما نجحت الدول الكبيرة والمؤسسات العريقة، إلا لأنه توفر لديها فكر المؤسسة، فكان المهيمن، وتقلص دور الفرد، حتى صار تابعا لفكر المؤسسة وليس مهيمنا عليه، وصار غياب الفرد أو حضوره لا يؤثر كثيرًا في النشاط الرئيس للمنظمة.

... و مع أن من أجل اهتمامات المؤسسة الاهتمام الكبير بالفرد، لكن ليكون محكوما بالمؤسسة، لا لتكون المؤسسة محكومة بمزاجيته وتصرفاته المستمدة من فطرته في حب التفرد والسيطرة.

... ... والبناء المؤسسي في المنظمات الخيرية، أحد هذه المجالات التي تعاني من نفس المعاناة، مع توفر عوامل إضافية تجعل ظهور الفردية أوضح وأشد.

(1) - المائدة (2)

(2) - رواه أبو داود، عن أبي الدرداء ،وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 5701

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت