واسمع إلى هذا الكلام في محاولة فصل العروبة عن الإسلام . (هناك اتجاه خاطئ وشائع، للأسف يسجن الثقافة العربية في عمامة الشريعة الإسلامية، صحيح أن الإسلام قد لعب- ولا يزال- دورًا بناء في الثقافة العربية، إلا أنه ليس إلا عنصرًا واحدًا وسمة مميزة، ونقطة رئيسية من نقط انطلاق الثقافة العربية إلى الأعماق العربية من ناحية، وإلى الآفاق الإنسانية من ناحية أخرى) . هذا كاتب يسخر من ارتباط الثقافة العربية بالشريعة الإسلامية، ويريد إفهامنا أن للقومية العربية ينابيع كثيرة فوارة بالمعرفة، وأن الإسلام أحد هذه الينابيع وحسب.. ونحن نستغرب هذا الكلام؛ لأن الإسلام هو الذي صنع الأمة العربية جسمًا وروحًا، ولأن الأمة العربية قبل هذا الدين كانت جملة قبائل تحيا في جاهلية طامسة، لا تعرف من الثقافة الإنسانية قليلًا ولا كثيرًا. ومع ذلك فالكاتب الجريء يحدثنا عن ثقافة عربية انطلقت إلى الأعماق العربية، وإلى الآفاق الإنسانية فيقول: (والأعماق العربية هي هذا المحيط الواسع من الموج البشري المتلاطم الذي عاش- ولا يزال- حياة متصلة على الأرض العربية، ومجزأة وموحدة. ونسجت منه الظروف والأحداث التاريخية وما فتئت تنسج تكوينًا نفسيًّا وتراثًا مشتركًا ولغة عربية واحدة، ومصالح اقتصادية آخذة في التبلور. أما الآفاق الإنسانية فهي هذه الثروة العامة التي تبادلت معها الثقافة العربية عمليات الأخذ والعطاء، فقد أخذت الثقافة العربية عن الآفاق الإنسانية العديد من ثقافات الحضارات التي سبقتها كاليونان والرومان. فعرف العرب منذ فجر نهضتهم سقراط وأفلاطون أرسطو. كما أعطت الثقافة العربية الآفاق الإنسانية نتاجها العلمي المتوهج من خلال فلاسفتها وعلمائها أمثال يعقوب الكندي وابن خلدون وابن سينا وابن رشد وغيرهم من الذين مهدوا السبيل لعصر النهضة الأوروبية. فمنتسكيو مثلًا بروح شرائعه امتداد متطور لابن خلدون. وديكارت فيلسوف حكيم العقل نما من خلال