الصفحة 32 من 227

الأمة العربية منذ انبثقت أشعة الإسلام من جزيرة العرب دخلت الأمة العربية في طور جديد من حياتها لم تكن قبله شيئًا مذكورًا. لكأنها كانت قبل الإسلام جنينًا يكتمل نموه على مكث في هذه الصحراء الموحشة المعزولة، حتى إذا استكمل أسباب الحياة برز خلقًا سوي المشاعر، قوي المسير ذكي الوجهة. نعم لم يكن للعرب قبل الإسلام كيان سياسي يلم شملهم. ولم تكن لهم رسالة إنسانية تشير إلى وظيفتهم العالمية. بل لم يكن لهم طابع أدبي واضح الملامح يمتازون به في المجال الدولي. ويمكننا أن نصف منزلة الأمة العربية بين أجيال الروم والفرس يومئذ، بأنها لا تزيد عن منزلة شعب كأهل"الكونغو"مثلا بالنسبة إلى"الروس"و"الأمريكان". فلما بعث محمد بين العرب، ولما صاغ الإسلام هذه الأشتات من البشر صياغته المحكمة، بدأت الأمة العربية تظهر في التاريخ. وأخذت دائرتها تنداح قرنًا بعد قرن، وجذورها تعمق حينًا بعد حين حتى أصبحت الأمة العربية- بهذه الرسالة التي حملتها- تمثل غاية من أعرف الغايات، وعيدًا من الخلائق تموج بهم الأرض في عدة قارات. والجزيرة العربية التي كانت مهادًا للعرب، ومسرحًا لحياتهم الأولى تقع بين الخليج الفارسي شرقًا، والبحر الأحمر غربًا، والمحيط الهندي جنوبًا- حيث تمتد شواطئ اليمن، وأوائل الشام شمالًا. أما الشام نفسها- سوريا وفلسطين والأردن ولبنان-؛ فليست ضمن جزيرة العرب ... وليس بمستغرب أن يغادر ناس من سكان الجزيرة بلادهم ملتمسين رزقًا أرغد في الأودية الخصبة من حولهم، بيد أنه من المستبعد أن يكون هؤلاء النازحون نواة العمران والمدنية في مصر والعراق، فإن وادي النيل، أو بلاد النهرين لم تكن خواء ص _037

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت