واختيار القدر للعرب كي يحملوا الرسالة العظمى جاء على سنن الحكمة الإلهية في اصطفاء الأفراد والشعوب. وقد أعد الله محمدًا، ليكون عميد الأنبياء، وليقدم للعالم أجمع خلاصة النصائح والشرائع التي يستطيع العيش بها آخر الدهر. وهذا الاختيار الذي تهيأت له نفس عظيمة؛ تهيأت له كذلك أمة نستطيع الحكم بأنها كانت يومئذ أجدر من غيرها بصحبة هذا الرسول والتبليغ عنه، ويمكن أن يشملها قوله جل شأنه:"الله أعلم حيث يجعل رسالته"وقد يقال: المعروف أن أحوال العرب قبل البعثة دون ما وصفت. إنهم كانوا في جاهلية طامسة بينة الضلال، فكيف ينسبون إلى هذه المواهب النفسية والاجتماعية؟ ونقول: إن الدنيا كلها كانت غريقة في هذه الجاهلية الطامسة، وإن الليل الذي عم أرجاءها، جعلها كلها مسرحًا للفتن والشرور، لا فارق بين قارة وأخرى:"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون"والسؤال الذي أجبنا عنه هو أي هاتيك الشعوب أعصى على العلاج، وأيها أدنى؟ ثم أيها ـ إذا شفى من سقامه ـ أقدر على تكاليف النهضة الإسلامية؟ أو بتعبير أصرح أقدر على أعباء الثورة الإسلامية التي يطلب إليها أن تدك عروشًا فاجرة، وأن تمحو مآثم طال عليها المدى ؟؟ السؤال الذي أجبنا عنه: أي البقاع يطلع منها النور في أعماء هذه الظلمات.. ؟ ونحن نؤكد أن العرب وحدهم كانوا أولى من الفرس والروم بهذه الرسالة الضخمة. ص _036