فإذا ولينا وجهنا شطر الفرس، وجدنا فلسفات دينية أخرى يستحيل أن يرتضيها العرب لأنفسهم، أو يحيوا وفق أسلوبها الشرود. كان الفارسيون، ومن خضع لهم صرعى نزعات مضطربة. فهناك"الزرادشتية"المجوسية التي اعتنقتها السلطات الحاكمة، وشاعت فلسفتها المسموخة بين كثيرين من الأعاجم. وهذه الفلسفة الدينية لا تعتمد على إيمان حق، بل ليس فيها أثارة من إيمان. وقد بلغ الانحراف في تعاليمها أن أفتى طاغيتها بأمر عجب، ذلك أنه جعل زواج الرجل بأمه أفضل من زواجه بغيرها من النساء، وجعل أولاده منها آثر وأزكى!.. ألا ترى جهالة العرب أفضل من هذه الحضارة؟.. وانتشرت"المزدكية"بين طوائف من المنحلين والصعاليك، وهي مذهب يجعل النساء والأموال شيوعًا بين الخلق، ويهدم كل الحدود التي تقوم بها المجتمعات.. ولعل هذا المذهب قريب في آثاره من الوجودية الغربية، ومن الشيوعية الشرقية، وهي مذاهب لها في عصرنا عشاق وأتباع. والعرب في جاهليتهم كانوا أنظف نفوسًا، وأنقى صحائف من أن يميلوا إلى تلك النحل الساقطة، أو يسمحوا لها بالتسرب إلى بيئتهم. إن التدين الباطل قد يعز على العلاج؛ لأن صاحبه فاسد يعد نفسه صالحًا.. ومن ثم لا يعرض نفسه على طبيب، ولا يقبل من طبيب أن يسوق له شفاء. وقد ندد الحديث بأقوام يجيئون آخر الزمان"تتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يدع منه عرقًا ولا مفصلًا"، وهذا النوع من الناس قليل الصلاحية، أو عديم الصلاحية، لتحمل رسالات الخير والنهوض بتبعاتها، وتلك كانت أحوال كثير من الشعوب التي أضلتها التعاليم الخاطئة، والفلسفات المنحرفة. أما العرب في صحرائهم؛ فإن دينهم الخرافي لم يملأ شعاب قلوبهم بالأهواء التي تطرد الحق. لقد كانت نفوسهم أشبه بثمرة لم تنضج . أما الحضارات الأخرى فكانت أشبه بثمار ضرب فيها العفن والبلى، وأمست لا مكان لها إلا بطن الثرى ... ص _035